كشفت وزيرة الأسرة والخدمات الاجتماعية التركية ماهِينور أوزدمير غوكتاش عن بدء السلطات السورية تطبيق نموذج الأسر الحاضنة لرعاية الأطفال المهجورين، مشيرة إلى أن التجربة جاءت بعد مشاركة تركيا خبرتها في مجال الرعاية البديلة وحماية الأطفال.
وجاءت تصريحات الوزيرة خلال زيارتها إلى العاصمة السورية دمشق، حيث التقت مسؤولين سوريين وتحدثت للصحفيين المرافقين لها عن مجالات التعاون بين البلدين، ولا سيما في ملفات الأسرة والطفولة والمرأة والأشخاص ذوي الإعاقة.
سوريا تستفيد من تجربة تركيا في الأسر الحاضنة
وقالت غوكتاش إن السلطات السورية كانت في البداية مترددة بشأن تطبيق نظام الرعاية البديلة، بسبب التجارب السابقة التي شهدتها البلاد خلال عهد نظام بشار الأسد، وما خلفته من حالات اختفاء وصدمات أثرت في الأطفال الذين عاشوا في مؤسسات الرعاية.
وأضافت أن تركيا شرحت للجانب السوري تجربتها في هذا المجال، قبل أن تبدأ السلطات السورية، وفق تصريحاتها، بوضع الأطفال المهجورين لدى أسر حاضنة.
وأوضحت الوزيرة أن هذه الخطوة تمثل بداية لتطبيق نموذج من نماذج الرعاية البديلة الذي تتبناه تركيا، مشيرة إلى أن التجربة التركية تحظى بدعم من السيدة أمينة أردوغان.
وقالت غوكتاش إن تركيا ستواصل مشاركة خبراتها مع سوريا في المجالات المتعلقة بالمرأة والطفل والأسرة والإعاقة، مؤكدة أن بلادها ستظل إلى جانب السوريين.
وأضافت: «في سوريا، رأيت بلداً ممتناً لتركيا، وكما قلت دائماً، كنا وسنظل إلى جانبهم خلال أصعب أوقاتهم».
الأسرة أولًا في رعاية الأطفال
وأكدت الوزيرة أن السياسة التي تتبعها تركيا في حماية الأطفال تركز بصورة أساسية على توفير البيئة الأسرية المناسبة، بدل الاعتماد على مؤسسات الرعاية الجماعية.
وأوضحت أن الهدف بعد استقبال الطفل ووضعه في وحدة الاستقبال هو العمل على إعادته إلى أسرته الأصلية كلما كان ذلك ممكنًا، وفي حال تعذر ذلك يتم توجيهه إلى أحد أشكال الرعاية البديلة أو التبني وفق الإجراءات المعمول بها.
وقالت إن دفء الأسرة والبيئة الأسرية السليمة لا يمكن تعويضهما، ولذلك تولي الوزارة أهمية كبيرة لتعليم الأطفال الموجودين تحت الحماية، ونموهم، ومشاركتهم في الأنشطة الاجتماعية، إلى جانب تحسين ظروفهم الأسرية ومحاولة لم شملهم مع أسرهم.
من دور الرعاية إلى البيوت الأسرية
وأشارت غوكتاش إلى أن مفهوم حماية الأطفال في تركيا شهد تحولًا كبيرًا خلال السنوات الماضية.
وقالت إنه قبل عام 2002، كان الحديث عن حماية الدولة يستحضر في أذهان كثيرين صورة الأطفال الذين يعيشون بصورة جماعية في دور الرعاية، بينما اتجهت تركيا لاحقًا إلى نموذج أكثر قربًا من البيئة الأسرية.
وأوضحت أن النموذج السكني الذي تتبناه الوزارة يعتمد على مجموعات صغيرة تضم نحو 10 إلى 12 طفلًا، بهدف توفير بيئة أكثر دفئًا وتشابهًا مع الحياة الأسرية الطبيعية.
وبحسب الوزيرة، فإن هذا التوجه يهدف إلى منح الأطفال بيئة تساعدهم على النمو بصورة أكثر استقرارًا، بعيدًا عن الطابع المؤسسي التقليدي لمؤسسات الرعاية الجماعية.
43 مركزًا لدعم كبار السن
ولم تقتصر تصريحات غوكتاش خلال زيارتها إلى سوريا على ملف الأطفال، إذ تحدثت أيضًا عن سياسات رعاية كبار السن في تركيا، في ظل التغيرات التي طرأت على بنية الأسرة والمجتمع.
وقالت إن تغير العادات الاجتماعية وارتفاع الشعور بالوحدة أديا إلى زيادة الطلب على خدمات رعاية المسنين، مشيرة إلى أن الوزارة تعطي الأولوية لكبار السن الذين لا يجدون من يقدم لهم الرعاية أو يحتاجون إلى رعاية متخصصة.
وفي الوقت نفسه، تعمل الوزارة على دعم كبار السن داخل منازلهم وبيئاتهم الاجتماعية، وتشجيع مفهوم الشيخوخة النشطة والصحية.
وكشفت غوكتاش عن افتتاح 43 مركزًا للحياة النشطة خلال النهار بالتعاون مع الإدارات المحلية، خصوصًا في المناطق التي تضم أعدادًا كبيرة من كبار السن.
وأشارت إلى أن عدد المواطنين الذين تزيد أعمارهم على 65 عامًا ويعيشون بمفردهم في تركيا يبلغ نحو 1.8 مليون شخص، بينما وصلت نسبة الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم، بمن فيهم الشباب، إلى نحو 20.5%.
تركيا تشدد على حماية الأطفال من مخاطر الإنترنت
وتطرقت الوزيرة كذلك إلى ملف الاستخدام المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي بين الأطفال والشباب، محذرة من الآثار التي قد تنتج عن الاستخدام المفرط للأجهزة والمنصات الرقمية.
وقالت إن الأطفال في تركيا يقضون في المتوسط أكثر من 3.5 ساعات يوميًا على وسائل التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أن كثيرًا منهم لا يدركون حجم الوقت الذي يقضونه أمام الشاشات.
كما تحدثت عن تأثير خوارزميات منصات التواصل وخصائص التمرير المستمر والمحتوى القائم على الذكاء الاصطناعي، معتبرة أن هذه العوامل قد تؤثر في النوم والتركيز والصحة النفسية للأطفال.
وأكدت أن الوزارة تعمل على إعداد تنظيمات جديدة تهدف إلى توفير بيئة رقمية أكثر أمانًا للأطفال، إلى جانب رفع وعي الأسر بكيفية التعامل مع استخدام أبنائهم للأجهزة والمنصات الرقمية.
تنظيمات جديدة للألعاب والمنصات الرقمية
وأشارت غوكتاش إلى وجود خطط لتنظيم قطاع الألعاب الرقمية بصورة أكبر، بما في ذلك الفصل بين المحتوى وفق الفئات العمرية.
كما تطرقت إلى منصات مثل «روبلوكس» و«ديسكورد»، موضحة أن الوصول إلى بعض المنصات سبق أن خضع لقرارات قضائية في تركيا، بينما يجري العمل على إعداد لوائح جديدة تتعلق بالألعاب والمحتوى الرقمي الموجه إلى الفئات العمرية المختلفة.
وأضافت أن الوزارة تنظم، بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»، ورش عمل تهدف إلى رفع الوعي بالمهارات الرقمية وتعريف الأسر بالمخاطر المرتبطة بالاستخدام غير الآمن للتكنولوجيا.
دعم الشباب والأسر
وفي ملف الأسرة والشباب، تحدثت الوزيرة عن المخاوف المرتبطة بانخفاض عدد أفراد الأسرة وعدد الأشقاء بين الأجيال الجديدة.
وقالت إن الاتجاه نحو الأسر الأصغر حجمًا والمجتمعات التي تضم عددًا أكبر من الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم قد يؤدي مستقبلًا إلى تحديات مرتبطة بالوحدة واقتصاد الرعاية.
كما أشارت إلى برامج الدعم الموجهة إلى الشباب والأسر، بما في ذلك القروض والدعم المرتبط بالزواج وتكوين الأسرة.
وأكدت غوكتاش أن سياسات الوزارة لا تركز فقط على تقديم المساعدات، وإنما تهدف أيضًا إلى دعم الأسرة وتعزيز الروابط الاجتماعية والتعامل مع التغيرات الديموغرافية التي يشهدها المجتمع التركي.
قمة حول المرأة ومفاهيم الجمال
وفي سياق آخر، أعلنت الوزيرة أن «قمة المرأة والعدالة» ستُعقد بالتعاون مع منظمة «كادم» يومي 21 و22 نوفمبر، تحت شعار «الجمال المصطنع».
وتهدف القمة، بحسب غوكتاش، إلى رفع الوعي بشأن معايير الجمال المثالية التي تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتأثيرها على النساء والفتيات والمجتمع بصورة عامة.
وتأتي هذه الملفات ضمن مجموعة أوسع من السياسات التي تعمل عليها وزارة الأسرة والخدمات الاجتماعية التركية، في وقت تسعى فيه أنقرة إلى توسيع تجاربها في مجالات حماية الأطفال والرعاية الأسرية والخدمات الاجتماعية ومشاركتها مع دول أخرى، ومن بينها سوريا















