دخلت المنطقة مرحلة جديدة من التحولات الجيوسياسية بعد سقوط نظام بشار الأسد وانحسار النفوذ الإيراني، حيث برزت تركيا في العقيدة الأمنية الإسرائيلية باعتبارها التهديد الاستراتيجي القادم ورأس حربة لما توصفه تل أبيب بـ”المحور السني”.
تتحول الأراضي السورية اليوم إلى الساحة الرئيسية لهذا التنافس الإقليمي الحاد. فقد فرضت تل أبيب معادلات ميدانية جديدة عبر التوسع الجغرافي والسيطرة على نقاط حيوية في الجنوب، وإلغاء اتفاقيات التجريد العسكري السابقة، وإقامة مناطق عزل أمني؛ بهدف منع سوريا من إعادة بناء جيش وطني قادر على الامتلاك التسليحي الصاروخي أو الجوي.
وتجلت الخطوط الحمراء الإسرائيلية بوضوح في الرسالة العسكرية القاسية عبر قصف مطار “أبو الظهور” العسكري في الشمال السوري، والذي جاء لمنع أي دور تركي في إعادة هيكلة الجيش السوري أو وضع موطئ قدم عسكري دائم. وقد قرأت أنقرة الرسالة بقدر عالٍ من الانضباط والهدوء الاستراتيجي للتكيف مع التصعيد.
تتجاوز الطموحات الإسرائيلية مجرد الردع المباشر إلى توظيف أوراق التفتيت الاجتماعي، وفي مقدمتها الورقة الدرزية والملفات الإثنية لإعاقة أي اندماج وطني سوري، مع الإبقاء على مشاريع التقسيم كخيارات مطروحة بحسب التوازنات الإقليمية.
وعلى الجانب الآخر، تواصل أنقرة تحركاتها باعتبارها شريكاً ضامناً للسيادة السورية، ممتدة بنفوذها ودبلوماسيتها نحو ملفات المنطقة في لبنان والبحر الأحمر وجيبوتي. ورداً على هذا التمدد، تسعى تل أبيب لتشكيل محور سداسي يجمعها مع الهند واليونان وقبرص وإثيوبيا ودول عربية لتقويض التحركات التركية.
تظل الأراضي السورية مركز الجاذبية والتصادم بين الطرفين خلف خلفيات تاريخية وأيدولوجية، بينما يبقى موقف إدارة الرئيس الأمريكي ترامب العامل الحاسم في تحديد موازين القوى ومن سيرسم خريطة الإقليم القادمة.
مقال للكاتب : فارس الحباشنة














