وتأتي هذه الإجراءات في وقت يواجه فيه الاقتصاد التركي مجموعة من التحديات، أبرزها استمرار التضخم، والضغوط على سعر صرف الليرة، وارتفاع فاتورة الطاقة، إلى جانب اتساع عجز الميزان التجاري.
المركزي التركي يسعى إلى حماية الليرة
وقال الخبير في الاقتصاد التركي أحمد الزيات، في تصريحات لـ«العربية Business»، إن الهدف الأساسي من عمليات شراء أدوات الدين الحكومية هو المساهمة في الحفاظ على استقرار سعر صرف الليرة التركية، في ظل حساسية الاقتصاد التركي تجاه حركة رؤوس الأموال الأجنبية.
وأوضح أن تركيا تُعد من الأسواق الناشئة التي تجذب مستويات مرتفعة من الاستثمارات قصيرة الأجل، وهو ما يجعل الأسواق التركية عرضة لخروج الأموال الأجنبية في حال تزايد المخاوف بشأن سوق السندات أو الأسهم.
وأشار إلى أن سعر الفائدة في تركيا يبلغ حاليًا نحو 37%، مقابل معدل تضخم يقارب 32%، لافتًا إلى أن أسعار الفائدة لم تشهد خفضًا منذ بداية العام، بعدما اتجه البنك المركزي إلى خفضها خلال عام 2025.
وكانت التوقعات تشير إلى إمكانية مواصلة خفض أسعار الفائدة خلال العام الجاري، إلا أن التطورات الجيوسياسية والضغوط الخارجية، إلى جانب ارتفاع عجز الميزان التجاري، قلصت مساحة المناورة أمام صناع السياسة النقدية.
شراء سندات بقيمة 5 مليارات ليرة
وفي إطار التدخل الجديد، لجأت السلطات النقدية إلى شراء سندات محلية بقيمة تقارب 5 مليارات ليرة تركية.
ومن شأن هذه الخطوة أن توفر دعمًا لليرة والأسواق المالية على المدى القصير، إلا أنها في المقابل تثير تساؤلات بشأن تأثير ضخ السيولة على معدلات التضخم، خصوصًا أن الاقتصاد التركي لا يزال يعاني من ارتفاع مستويات الأسعار.
ويرى الزيات أن تدخل البنك المركزي يمكن أن يكون فعالًا في التعامل مع الضغوط قصيرة الأجل، لكنه لن يكون كافيًا بمفرده لمعالجة المشكلات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد التركي.
ضخ السيولة قد يزيد الضغوط التضخمية
ويتمثل أحد أبرز التحديات في أن ضخ المزيد من السيولة في الأسواق قد يؤدي، في حال استمر لفترة طويلة، إلى زيادة الضغوط التضخمية.
وتزداد حساسية هذه الخطوة مع استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة، الأمر الذي يضع البنك المركزي أمام معادلة صعبة بين دعم العملة من جهة، والحفاظ على مسار خفض التضخم من جهة أخرى.
كما أن خفض أسعار الفائدة بصورة سريعة قد يؤدي إلى زيادة الضغوط على الليرة، في حين أن الإبقاء على أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول يرفع تكلفة الاقتراض والتمويل على الشركات والأفراد.
الاقتصاد التركي يتأثر بالأسواق العالمية
ولا تقتصر التحديات التي تواجه الليرة التركية على العوامل المحلية فقط، إذ يرتبط الاقتصاد التركي بدرجة كبيرة بتطورات الأسواق المالية العالمية وتدفقات رؤوس الأموال.
وحذر الزيات من أن حدوث اضطرابات كبيرة في النظام المالي العالمي أو تصاعد المخاوف المتعلقة بسوق السندات الأميركية قد يدفع المستثمرين إلى تقليل انكشافهم على الأسواق الناشئة، وهو ما قد ينعكس بصورة مباشرة على تركيا.
وتكمن المشكلة الرئيسية، وفق هذه الرؤية، في حاجة الاقتصاد التركي المستمرة إلى تدفقات من العملات الأجنبية لتغطية احتياجاته الخارجية، في ظل ارتفاع فاتورة الواردات والطاقة.
فاتورة الطاقة تضغط على الليرة
وتظل الطاقة واحدة من أكبر مصادر الضغط على الاقتصاد التركي، إذ تعتمد البلاد على استيراد جزء كبير من احتياجاتها من الطاقة.
ورغم نمو الصادرات التركية وتوسع النشاط الصناعي، فإن تدفقات العملات الأجنبية لا تزال تواجه ضغوطًا نتيجة ارتفاع تكلفة الواردات، ما يجعل أسعار الطاقة العالمية عاملًا مهمًا في تحديد اتجاه الليرة ومعدلات التضخم.
وفي حال ارتفاع أسعار النفط والغاز عالميًا، فإن تكلفة الواردات التركية قد ترتفع مجددًا، الأمر الذي قد يزيد الضغط على الميزان التجاري وعلى العملة المحلية.
هل يعود الذهب إلى الواجهة؟
وبشأن استخدام احتياطيات الذهب في دعم الليرة، أشار الزيات إلى أن عمليات بيع الذهب التي قام بها البنك المركزي التركي كانت مرتبطة بفترة سابقة.
وأوضح أن البنك المركزي باع خلال مارس نحو 8 أطنان من الذهب في إطار إجراءات اتخذت لدعم العملة وسط الضغوط الجيوسياسية والأسواق المالية.
ويظل سعر صرف الليرة من أهم الملفات بالنسبة للسلطات التركية، نظرًا إلى تأثيره المباشر على أسعار السلع المستوردة وتكاليف الطاقة، وبالتالي على معدل التضخم وتكاليف المعيشة.
تركيا تراهن على إنتاج الطاقة محليًا
وفي مواجهة هذه الضغوط، تركز الحكومة التركية على زيادة إنتاج الطاقة محليًا وتقليل الاعتماد على الواردات، بالتزامن مع استمرار أعمال التنقيب عن النفط والغاز وتطوير مصادر الطاقة المختلفة.
كما تسعى أنقرة إلى تعزيز التعاون الإقليمي مع دول مثل سوريا والعراق بهدف تطوير مسارات جديدة لإمدادات الطاقة وخطوط الأنابيب.
ومن شأن نجاح هذه الاستراتيجية في زيادة الإمدادات المحلية وتقليل فاتورة استيراد الطاقة أن يخفف الضغط على الميزان التجاري، ويحد من الحاجة إلى العملات الأجنبية، وهو ما قد يوفر دعمًا إضافيًا لليرة التركية على المدى المتوسط.
الخلاصة
ويواجه البنك المركزي التركي حاليًا مهمة دقيقة تتمثل في الحفاظ على استقرار الليرة دون التضحية بمكافحة التضخم. وقد توفر عمليات شراء السندات المحلية دعمًا مؤقتًا للأسواق، إلا أن استدامة هذا الدعم ستعتمد على قدرة تركيا على معالجة أسباب الضغوط الأساسية، وفي مقدمتها عجز التجارة، وارتفاع فاتورة الطاقة، والحاجة المستمرة إلى تدفقات رأس المال الأجنبي.















