تُعد جماعة السليمانيين من أبرز الجماعات الدينية التي نشأت في تركيا خلال القرن العشرين، وبدأ نشاطها أساساً من تعليم القرآن والعلوم الدينية، قبل أن تتوسع تدريجياً لتشكّل شبكة من الجمعيات والمساكن الطلابية والمؤسسات داخل تركيا وخارجها.
وعلى الرغم من محدودية حضورها الإعلامي وانضباطها التنظيمي، حافظت الجماعة على حضور مؤثر في المجتمع التركي لعقود، كما توسعت أنشطتها إلى أوروبا وآسيا الوسطى وروسيا وأفريقيا.
من هو مؤسس الجماعة؟
يرتبط اسم السليمانيين بالشيخ سليمان حلمي توناهان، الذي وُلد عام 1888 في سيليسترا، الواقعة ضمن الأراضي البلغارية حالياً.
وتلقى توناهان تعليماً دينياً في أواخر العهد العثماني، وتخرج عام 1919 في قسم التفسير والحديث، قبل أن يعمل في تدريس القرآن والعلوم الدينية.
ويرتبط فكر الجماعة بجذور صوفية، إذ كان توناهان من شيوخ الفرع المجددي من الطريقة النقشبندية، إلا أن التنظيم الذي تشكل بعد وفاته لم يعمل بوصفه طريقة صوفية تقليدية، ولم يُعرف له خليفة روحي مباشر.
ويُعرف أتباع الجماعة أيضاً باسم «طلاب سليمان أفندي»، فيما تشير مصادر إلى أن تسمية «السليمانيين» أطلقها الآخرون على الجماعة.
كيف بدأت الجماعة في تركيا؟
بدأ النشاط الفعلي الذي شكّل نواة الجماعة بعد صدور قانون توحيد التدريس عام 1924، الذي أدى إلى إغلاق المدارس الدينية في تركيا.
واصل توناهان نشاطه في تعليم الدين، وفي عام 1938 بدأ العمل واعظاً في إسطنبول، إلى جانب تنظيم دروس دينية داخل المساجد والمنازل، رغم تعرضه للملاحقة والتوقيف وسحب صلاحية الوعظ منه عام 1943.
ومع السماح بدورات القرآن بصورة قانونية عام 1949 وتخفيف القيود على التعليم الديني بعد عام 1950، توسعت أنشطة الجماعة، وافتتحت أول دورة رسمية لها في منطقة تشامليجا بإسطنبول.
ومن هناك بدأ طلاب توناهان بالانتشار في مناطق مختلفة من تركيا وإنشاء دورات جديدة لتعليم القرآن.
من تعليم القرآن إلى المساكن الطلابية
بعد وفاة توناهان عام 1959، برز صهره كمال كاجار قائداً فعلياً للجماعة، وقاد عملية تحول كبيرة في بنيتها، إذ انتقلت تدريجياً من التركيز على حلقات تعليم القرآن إلى نموذج أكثر مؤسسية يعتمد على الجمعيات والمساكن الطلابية.
ومع مرور الوقت أصبحت مساكن الطلاب وتقديم الطعام والمنح والتعليم الديني من أبرز أنشطة الجماعة، خصوصاً في المناطق التي تعاني من نقص المساكن الجامعية.
وتشير تقديرات إعلامية إلى ارتباط مئات الجمعيات وأكثر من ألف مسكن طلابي بالجماعة، إلا أن المصادر لا توفر إحصاءات رسمية حديثة تثبت الحجم الدقيق لهذه الشبكة.
كيف تمول الجماعة أنشطتها؟
اعتمدت الجماعة في بداياتها على اشتراكات الأعضاء والتبرعات لتمويل دور القرآن والمساكن والخدمات المقدمة للطلاب.
لكن نشاطها توسع لاحقاً إلى المجال التجاري، مع وجود شركات مرتبطة بها أو محسوبة عليها تعمل في قطاعات مختلفة، من بينها الأغذية والصحة والسياحة والمنسوجات والإنشاءات والعقارات.
كما أشار تقرير منسوب إلى رئاسة الشؤون الدينية التركية إلى اعتماد شبكة الجماعة التعليمية على التبرعات والشركات التابعة لها.
السليمانيون خارج تركيا
لم يبق نشاط الجماعة محصوراً داخل تركيا، إذ بدأ انتشارها في أوروبا مع موجات هجرة العمال الأتراك منذ ستينيات القرن الماضي، وخصوصاً في ألمانيا.
وفي عام 1973 تأسس مركز الثقافة الإسلامية في كولونيا، قبل أن يتطور النشاط لاحقاً تحت مظلة «اتحاد مراكز الثقافة الإسلامية» المعروف اختصاراً بـ«فيكز».
وتضم شبكة الجماعة في أوروبا مساجد ودورات لتعليم القرآن ومساكن طلابية ومراكز ثقافية، كما توسعت منذ تسعينيات القرن الماضي إلى مناطق في آسيا الوسطى وروسيا وأفريقيا.
ما علاقة السليمانيين بالسياسة التركية؟
اتسمت علاقة الجماعة بالسياسة بالمرونة، إذ دعمت على مدار تاريخها أحزاباً مختلفة، خصوصاً أحزاب يمين الوسط، مع التركيز على الحفاظ على مساحة تسمح لها بمواصلة نشاطها الديني والتعليمي.
وكان كمال كاجار نفسه نائباً في البرلمان التركي لثلاث دورات بين عامي 1965 و1977، كما ارتبط عدد من الشخصيات السياسية لاحقاً بالجماعة أو بعائلات قياداتها.
وخلال السنوات اللاحقة تغيرت التحالفات والاختيارات الانتخابية للجماعة، وسط تقارير وادعاءات إعلامية بشأن دعمها أحزاباً مختلفة في الانتخابات التركية.
لماذا أثارت الجماعة الجدل؟
واجه السليمانيون على مدى سنوات انتقادات تتعلق بطبيعة تنظيمهم المغلق، وبنيتهم الداخلية، ونشاط مساكنهم الطلابية ومصادر تمويلهم.
وفي عام 2019 تداولت وسائل الإعلام التركية تقريراً مسرباً منسوباً إلى المجلس الأعلى للشؤون الدينية، تناول الجماعات الدينية في تركيا، وانتقد ما وصفه بالطبيعة المغلقة لتنظيم السليمانيين وبعض ممارساتهم.
لكن من المهم الإشارة إلى أن عدداً من الادعاءات الواردة في التقرير استند إلى روايات أعضاء سابقين ومصادر صحفية، ولا تمثل جميعها حقائق قضائية مثبتة.
كما ارتبط اسم بعض المساكن التي قيل إن لها صلة بالجماعة بحوادث وفاة وحرائق، من بينها انفجار مسكن في قونية عام 2008 أسفر عن مقتل 18 شخصاً، وحريق مسكن للطالبات في ألاداغ عام 2016 أدى إلى وفاة 12 شخصاً وإصابة آخرين.
التحقيق المالي يعيد السليمانيين إلى الواجهة
عاد اسم الجماعة بقوة إلى المشهد التركي في أغسطس/آب 2026، بعد فتح تحقيق مالي استهدف قائدها علي خان كوريش وعدداً من الأشخاص والشركات المرتبطة به.
وبحسب المعلومات الواردة في المصدر، تضمنت الاتهامات الموجهة للمشتبه بهم قيادة منظمة إجرامية وغسل الأموال والاحتيال على مؤسسات عامة ومخالفات ضريبية.
وأصدرت النيابة أوامر بتوقيف 49 مشتبهاً بهم، بينهم كوريش، كما شملت العمليات تفتيش ومصادرة ممتلكات مرتبطة بـ33 شركة.
وتحدث تقرير منسوب إلى مجلس التحقيق في الجرائم المالية التركي «ماساك» عن تحويلات مالية تجاوزت 100 مليار ليرة عبر أشخاص وشركات شملها التحقيق، مع وجود شبهات بشأن نقل أموال إلى خارج تركيا.
لكن كوريش أنكر الاتهامات الموجهة إليه، فيما لا تزال القضية في إطار التحقيقات ولم يصدر حكم قضائي نهائي يثبت تلك الاتهامات.
جماعة دينية أم شبكة مؤسساتية واسعة؟
على مدار أكثر من سبعة عقود، انتقل السليمانيون من حلقات صغيرة لتعليم القرآن إلى شبكة واسعة تضم جمعيات ومساكن ومؤسسات تعليمية وثقافية وتجارية.
وهذا الانتقال هو أحد أبرز أسباب استمرار تأثير الجماعة، إذ لم يعتمد حضورها فقط على النشاط الديني، بل على توفير السكن والمنح والخدمات للطلاب، ثم بناء روابط اجتماعية تستمر حتى بعد تخرجهم.
وفي الوقت نفسه، جعل هذا الحجم الواسع من النشاط الجماعة موضع اهتمام وانتقادات وتساؤلات متكررة بشأن طبيعة إدارتها وتمويلها وعلاقاتها السياسية.
وبينما ينظر إليها أتباعها باعتبارها حركة تعليمية ودينية تهدف إلى الحفاظ على تعليم القرآن، فإن التحقيقات والانتقادات التي طالت بعض مؤسساتها وقادتها جعلت السليمانيين واحدة من أكثر الجماعات الدينية إثارة للجدل في تركيا.















