شهدت العلاقات بين تركيا وإسرائيل تحولاً جذرياً خلال العقدين الماضيين، بعدما كانت تُعد من أقوى الشراكات في الشرق الأوسط، لتدخل اليوم مرحلة من التنافس الإقليمي الذي يشمل الملفات السياسية والعسكرية والاقتصادية.
فحتى منتصف العقد الأول من الألفية، ارتبط البلدان بعلاقات وثيقة قائمة على التعاون العسكري والتنسيق الأمني والتبادل التجاري، إلا أن وصول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى السلطة غيّر مسار هذه العلاقة بشكل ملحوظ، مع تبني أنقرة سياسة خارجية أكثر استقلالية تجاه القضايا الإقليمية.
ويبرز الملف الفلسطيني كأحد أبرز أسباب الخلاف بين الجانبين، إذ تواصل تركيا دعمها السياسي العلني للقضية الفلسطينية، وتؤكد موقفها الداعم لحركة حماس، وهو ما تعتبره إسرائيل تهديداً لمصالحها الأمنية، بينما يرى أردوغان أن الدفاع عن الفلسطينيين يمثل جزءاً من السياسة الخارجية التركية، ويحظى بدعم واسع داخل الأوساط المحافظة في البلاد.
كما توسعت الخلافات لتشمل الساحة السورية، حيث تعمل أنقرة على تعزيز حضورها ونفوذها في سوريا، وتسعى إلى بناء شراكات استراتيجية مع دمشق، في وقت تشير فيه تقارير إلى نشر أنظمة رادار تركية داخل قواعد جوية سورية قادرة على مراقبة أجزاء من المجال الجوي الإسرائيلي.
وفي المقابل، تتمسك تركيا برفض أي خطوات قد تعزز الحكم الذاتي للقوات الكردية في شمال سوريا، بينما تفضل إسرائيل بقاء سوريا في وضع يحد من قدرتها على استعادة قوتها العسكرية، بما يضمن استمرار حرية التحرك الإسرائيلي داخل الأراضي السورية.
ولا يقتصر التنافس بين البلدين على الجوانب السياسية والعسكرية، بل يمتد إلى الاقتصاد ومشاريع النقل الإقليمية. فبينما تدعم إسرائيل، بالتعاون مع الولايات المتحدة، مشروع الممر الاقتصادي الدولي (IMEC) الذي يربط الهند ودول الخليج بأوروبا عبر ميناء حيفا، تروج تركيا لممر بديل يمر عبر العراق وسوريا، بهدف الحفاظ على موقعها كمحور رئيسي للتجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا.
ويرى محللون أن هذه الملفات مجتمعة دفعت العلاقات التركية الإسرائيلية إلى مرحلة توصف بـ”الحرب الباردة الإقليمية”، حيث يتزايد التنافس على النفوذ الجيوسياسي والمصالح الأمنية والاقتصادية، في تحول كبير مقارنة بالشراكة الاستراتيجية التي جمعت البلدين لعقود.















