تُعد قضية الحجاب من أكثر الملفات الاجتماعية والسياسية إثارة للجدل في تاريخ تركيا الحديث، إذ ارتبطت على مدى عقود بالنقاش حول العلمانية والدين والحريات الفردية ودور الدولة في الحياة العامة.
ولم يكن الحظر على الحجاب نتيجة قرار واحد صدر في عام محدد، بل مرّ بمراحل مختلفة، بدأت القيود على ارتدائه في بعض المؤسسات والجامعات تتبلور تدريجيًا، ثم اشتدت خلال فترات سياسية وعسكرية مختلفة، قبل أن تبدأ عملية رفعها بصورة تدريجية خلال السنوات اللاحقة.
بدايات الجمهورية والجدل حول الحجاب
بعد تأسيس الجمهورية التركية عام 1923 بقيت العلمانية أحد المبادئ الأساسية للنظام الجديد، وبدأت الدولة سلسلة واسعة من الإصلاحات التي غيّرت شكل المؤسسات والتعليم والحياة العامة.
ومع مرور الوقت، ظهرت قيود مختلفة على الملابس الدينية في بعض مؤسسات الدولة والتعليم، إلا أن مسألة الحجاب لم تكن في بدايتها محكومة بحظر دستوري عام وصريح على جميع النساء المحجبات.
وتحولت القضية تدريجيًا إلى موضوع أكثر حضورًا في الحياة العامة، ولا سيما مع زيادة أعداد النساء الراغبات في ارتداء الحجاب أثناء الدراسة والعمل.
الجامعات تتحول إلى ساحة رئيسية للخلاف
خلال العقود اللاحقة، أصبحت الجامعات التركية إحدى أبرز ساحات الجدل حول الحجاب.
وفي عام 1988 أقر البرلمان تعديلًا يسمح بارتداء الحجاب في الجامعات لأسباب دينية، لكن المحكمة الدستورية أبطلت هذا التعديل عام 1989، مستندة في قرارها إلى تفسيرها لمبدأ العلمانية. وتكرر الجدل القانوني خلال السنوات التالية، بما جعل وضع الطالبات المحجبات متغيرًا بحسب الفترة والجامعة والقرارات القضائية والإدارية.
وبحلول التسعينيات، أصبحت قضية الحجاب مرتبطة بشكل أكبر بالصراع السياسي حول طبيعة الدولة التركية وحدود العلمانية.
28 فبراير 1997.. مرحلة جديدة من القيود
جاءت مرحلة 28 فبراير/شباط 1997 لتكون واحدة من أبرز المحطات في تاريخ القضية.
وخلال ما يعرف بـ«عملية 28 فبراير»، تصاعد الضغط العسكري والسياسي على حكومة نجم الدين أربكان، وانتهت المرحلة باستقالته وإغلاق حزب الرفاه لاحقًا.
وفي تلك الفترة، اتسعت القيود التي أثرت على النساء المحجبات، ولا سيما في الجامعات والمؤسسات العامة، كما واجه الطلاب القادمون من مدارس «الإمام خطيب» عوائق مرتبطة بنظام التعليم والقبول الجامعي.
وأصبحت قضية الحجاب في تلك المرحلة رمزًا للصراع السياسي والاجتماعي بين تيارات مختلفة داخل المجتمع التركي.
البرلمان التركي.. واقعة مروة قواقجي
بلغ الجدل ذروته في البرلمان التركي عام 1999، عندما دخلت النائبة مروة قواقجي، التي انتُخبت عن حزب الفضيلة، إلى قاعة البرلمان وهي ترتدي الحجاب.
ولم تتمكن قواقجي من أداء اليمين ومباشرة مهامها البرلمانية، وانتهت عضويتها لاحقًا. ووثّق البرلمان التركي نفسه هذه الواقعة باعتبارها إحدى المحطات البارزة في تاريخ قضية الحجاب في تركيا.
وأظهرت الحادثة إلى أي مدى أصبحت مسألة الحجاب مرتبطة بالحياة السياسية، وليس فقط بالجامعات أو المؤسسات الحكومية.
سنوات من الصراع القانوني
لم تنتهِ القضية مع نهاية التسعينيات، إذ استمر الجدل خلال العقد التالي.
وفي عام 2008، أقر البرلمان تعديلات دستورية هدفت إلى فتح المجال أمام ارتداء الحجاب في مؤسسات التعليم العالي، إلا أن المحكمة الدستورية أبطلت التعديلات في العام نفسه، معتبرة أنها تتعارض مع تفسيرها لمبدأ العلمانية.
وفي المقابل، بدأت البيئة القانونية والقضائية تتغير تدريجيًا خلال السنوات التالية.
وتشير المحكمة الدستورية التركية إلى أنها تبنت منذ عام 2012 نهجًا أكثر تركيزًا على الحقوق والحريات في قضايا الحجاب، وأصدرت لاحقًا أحكامًا اعتبرت في بعض الحالات أن القيود المفروضة على ارتدائه تمس حرية الدين والمعتقد.
2010.. بداية مرحلة جديدة
شهد عام 2010 تطورات مهمة في مسار الحريات العامة، كما اتخذت السلطات التعليمية خطوات باتجاه إنهاء القيود على الحجاب في بعض الامتحانات والجامعات.
وتشير مصادر تركية إلى أن مجلس التعليم العالي «YÖK» رفع القيود عن ارتداء الحجاب في امتحان ALES عام 2010، ثم أُعلن السماح بدخول الامتحانات بالحجاب.
لكن القول إن «حظر الحجاب رُفع بالكامل في تركيا عام 2010» لا يعكس التسلسل القانوني بدقة، إذ استمرت بعض القيود في مؤسسات الدولة حتى عام 2013.
2013.. رفع الحظر في المؤسسات العامة
كانت سنة 2013 من أبرز السنوات في مسار إنهاء القيود على الحجاب في تركيا.
ففي إطار «حزمة الديمقراطية» التي أعلنتها الحكومة آنذاك، جرى إنهاء الحظر المفروض على ارتداء الحجاب في المؤسسات العامة.
وتشير دراسة منشورة في مجلة أكاديمية تابعة للمؤسسة التركية لحقوق الإنسان والمساواة إلى أن الحظر في المؤسسات العامة انتهى في 30 سبتمبر/أيلول 2013، مع استثناءات أولية شملت بعض الوظائف التي تتطلب ارتداء زي رسمي، مثل القضاء والشرطة والجيش.
وفي العام نفسه، دخلت أربع نائبات محجبات إلى البرلمان التركي في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2013، في خطوة أنهت عمليًا مرحلة طويلة من منع النائبات المحجبات من ممارسة عضويتهن البرلمانية.
وهكذا انتقلت قضية الحجاب من كونها واحدة من أكثر الملفات إثارة للانقسام في تركيا إلى وضع قانوني مختلف بصورة كبيرة عن العقود السابقة.
ماذا تغير بالنسبة للنساء المحجبات؟
خلال الفترات التي كانت فيها القيود مطبقة، واجهت بعض النساء المحجبات صعوبات في الوصول إلى الجامعات أو مواصلة الدراسة، كما تعرضت بعض الموظفات لقيود في أماكن العمل الحكومية.
وتوثق المحكمة الدستورية التركية حالات لطالبات مُنعن من حضور الدروس أو الامتحانات بسبب ارتداء الحجاب، كما نظرت المحكمة لاحقًا في قضايا تتعلق بموظفات ومحاميات تعرضن لقيود مرتبطة بالحجاب.
ومع التغييرات القانونية والإدارية التي شهدتها تركيا، تراجعت هذه القيود تدريجيًا، وأصبح ارتداء الحجاب في المؤسسات العامة والجامعات والبرلمان جزءًا من الواقع القانوني والاجتماعي للبلاد.
من أزمة سياسية إلى تحول اجتماعي
تكشف قصة الحجاب في تركيا عن مسار طويل لم يكن مقتصرًا على مسألة الملابس، بل ارتبط بنقاشات أوسع حول العلمانية وحرية الدين ودور الدولة وحقوق المرأة.
فمن القيود التي واجهتها الطالبات والموظفات في مراحل مختلفة، إلى دخول النائبات المحجبات البرلمان، مرّت تركيا بسلسلة من التحولات القانونية والقضائية والسياسية التي غيّرت وضع الحجاب في الحياة العامة.
وبحلول عام 2013، كانت القيود الأساسية على ارتداء الحجاب في المؤسسات العامة قد أزيلت، لتدخل القضية مرحلة مختلفة عن تلك التي عاشتها تركيا خلال العقود السابقة.















