لم تعد التحركات المكثفة التي يقودها المبعوث الأمريكي توم باراك في عواصم الشرق الأوسط مجرد جهود وساطة تقليدية لاحتواء الصراع المشتعل بين إسرائيل وإيران؛ بل باتت الدوائر الدبلوماسية من دمشق وبيروت إلى أنقرة تقرأها كحجر أساس لمشروع أمريكي أوسع يستهدف صياغة “شرق أوسط جديد” ووضعه قيد التنفيذ الفعلي في أعقاب حرب عام 2026.
تتجاوز الرؤية الأمريكية الحالية، بحسب معطيات حصرية، فكرة إخماد الجبهات العسكرية المؤقتة، لتنظر إلى المشهد الراهن باعتباره فرصة تاريخية لإعادة تركيب المشرق العربي سياسياً، أمنياً، واقتصادياً. ويهدف هذا الحراك الاستراتيجي إلى بناء منظومة إقليمية ممتدة من الخليج العربي إلى شرق البحر الأبيض المتوسط، تعيد بالضرورة توزيع الأدوار الجيوسياسية لكل من سوريا، لبنان، تركيا، والعراق، ودمجها ضمن شبكة موحدة من تحالفات الأمن وممرات الطاقة والتجارة العالمية.
هندسة توم باراك والتوازنات الجديدة
في الوقت الذي تعتبر فيه إدارة الرئيس دونالد ترامب أن الساحة الإقليمية دخلت مرحلة التأسيس الجيوسياسي الجديد—والتي بدأت إرهاصاتها منذ حرب غزة ولبنان عام 2024 وتسارعت وتيرتها عقب سقوط نظام بشار الأسد—يتحرك توم باراك كأحد أبرز مهندسي هذه الرؤية. وجاء صعود دور باراك ليحل بدلاً من المسارات السابقة التي قادها جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، والتي رأت واشنطن أنها لم تحقق الاختراق المطلوب في ملفات المنطقة الشائكة.
وتشير المصادر إلى أن باراك يدير شبكة اتصالات إقليمية معقدة تشمل أذربيجان، تركيا، العراق، سوريا، الأردن، السعودية، لبنان، وإسرائيل. وتهدف هذه الشبكة إلى تلافي سيناريو خطير تخشاه واشنطن، يتمثل في احتمال انفجار مواجهة عسكرية مباشرة بين تركيا وإسرائيل على الأراضي السورية نتيجة الفراغ الأمني الحالي، وهو الصدام الذي إن وقع، كفيل بنسف المشروع الأمريكي بأكمله.
بناءً على ذلك، يقوم التصور الأمريكي على ربط “سوريا الجديدة” برئاسة أحمد الشرع بمصالح اقتصادية حيوية مع الخليج وأنقرة، وتحويلها إلى نقطة عبور استراتيجية لخطوط النقل والطاقة نحو أوروبا. ويتضمن ذلك إحياء خطوط قديمة مثل خط (كركوك – بانياس) الممتد إلى طرابلس اللبنانية، بالتوازي مع التوجه اللبناني لربط مرفأ طرابلس بحمص السورية عبر شبكة سكك حديدية، لتأمين ممرات برية وبحرية بديلة تقلل من الاعتماد الدولي على مضيق هرمز المضطرب.
استراتيجية “الضغط الأقصى” وعزل الفواعل الإقليمية
على الجبهة الإيرانية، لا تبدو المفاوضات الحالية بالنسبة لواشنطن مساراً نحو تسوية شاملة، بل تُوظف كأداة ضمن استراتيجية “الضغط الأقصى” لاستنزاف طهران اقتصادياً وسياسياً، ودفع نظامها نحو صراعات داخلية بين التيارات البراغماتية والمتشددة، بما يضمن تحجيم قدرتها على استعادة نفوذها السابق في بغداد ودمشق وبيروت.
وفي لبنان، تتخذ المقاربة الأمريكية الإسرائيلية مساراً يفصل بين الدولة اللبنانية وحزب الله؛ حيث يجري تقديم إغراءات اقتصادية ووعود بإعادة الإعمار والاستثمار بالطاقة مقابل صياغة ترتيبات أمنية تؤدي تدريجياً إلى عزل الحزب وإضعاف سطوته. وتتكامل هذه السياسة مع أسلوب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو القائم على “الضغط بالنار والتسريبات العسكرية” للتلويح بتوسيع الحرب، مع حرص واشنطن في الوقت ذاته على منع انهيار الدولة اللبنانية بالكامل حتى لا يرتد هذا الانهيار سلباً على الاستقرار الناشئ في سوريا.
دمشق وأنقرة ومستقبل حدود النفوذ
يمثل “الاستقرار الدائم في سوريا” الأولوية القصوى للقيادة الوسطى الأمريكية (CENTCOM). وفي هذا الصدد، نقل توم باراك إلى الرئيس السوري أحمد الشرع تصوراً أمريكياً لاتفاق أمني جديد مع إسرائيل، يشمل ترتيبات أمنية في جنوب سوريا، وملف السويداء، والمنطقة العازلة، ومستقبل مرصد جبل الشيخ، شريطة عدم وجود قوات عسكرية سورية ضخمة في الجنوب مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي وضمانات متبادلة، وهو الطرح الذي تقابله دمشق بحذر متمسكة بوحدة أراضيها ورافضة لأي وجود إسرائيلي دائم.
في المقابل، تشهد الشراكة التركية السورية تسارعاً ملحوظاً؛ حيث تنخرط أنقرة في إعادة بناء القدرات العسكرية للجيش السوري وضخ استثمارات واسعة، إلى جانب التنسيق مع واشنطن والدوحة لإطلاق مشاريع تنقيب عن الغاز في شرق المتوسط. وامتداداً لهذه الترتيبات، تسعى واشنطن لتقريب وجهات النظر بين أنقرة ودمشق والأكراد في شرق الفرات، مع ترتيبات لزيارة محتملة لقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي إلى تركيا للقاء عبدالله أوجلان لإعادة صياغة الملف الكردي بالكامل.
صراع الممرات: طريق الهند أم طريق باكستان؟
تتداخل الملفات الاقتصادية مع الجهد العسكري ليصبح جوهر الصراع الحالي في المنطقة هو “صراع الممرات الرقمية والتجارية”. فبينما تدفع إسرائيل لإدماج شرق المتوسط ولبنان ضمن “طريق الهند” الاقتصادي المدعوم أمريكياً لربط الخليج بالمتوسط عبر الإمارات وإسرائيل، تعمل سوريا وتركيا والسعودية على بلورة مسار بديل وموازٍ يمر عبر العراق وسوريا وتركيا، ويُعرف في بعض الأوساط بـ “طريق باكستان” لإيجاد توازن اقتصادي مقابل في المنطقة.
بين وعود الاستقرار الاقتصادي وضغوط الآلة العسكرية، يجد المشرق العربي نفسه أمام لحظة استراتيجية فارقة، لن تفضي فقط إلى تسويات ميدانية مؤقتة، بل ستعيد رسم خرائط النفوذ، ممرات الطاقة، والتحالفات الإقليمية لقرون قادمة.















