يمر حزب الشعب الجمهوري (CHP)، وريث مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك وأكبر أحزاب المعارضة في تركيا، بمنعطف هو الأخطر في تاريخه الحديث. وجاء ذلك بعد قرار قضائي مفاجئ وصِف بأنه “زلزال سياسي” قوض شرعية القيادة الحالية، وأعاد فتح دفاتر الصراعات الداخلية، ليرسم علامات استفهام كبرى حول مستقبل التعددية الديمقراطية وموازين القوى في مواجهة حزب العدالة والتنمية الحاكم بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان.
وفي هذا التقرير الشامل، نستعرض جذور الأزمة الشائكة، كواليس التحقيقات، وردود الفعل المحلية والدولية.
1. جذور الأزمة: مؤتمر “الإطاحة” والطعون الإجرائية
بدأت فصول الأزمة في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 خلال المؤتمر العام الـ38 للحزب في أنقرة. وشهد ذلك المؤتمر حدثاً تاريخياً تمثّل في الإطاحة بزعيم الحزب المخضرم “كمال كليتشدار أوغلو” بعد 13 عاماً في القيادة، إثر خسارته الانتخابات الرئاسية أمام أردوغان في ماي/أيار من العام ذاته.
صعد نجم “أوزغور أوزال” (النائب عن ولاية مانيسا) ليتولى رئاسة الحزب بعد حصوله في الجولة الثانية على 812 صوتاً مقابل 536 صوتاً لكليتشدار أوغلو. لكن هذا الصعود سرعان ما واجه ملاحقات قضائية؛ إذ تقدم أعضاء في الحزب بطعون تتهم القيادة الجديدة بارتكاب “مخالفات إجرائية وتلاعب بالأصوات وشراء ذمم”، وهي القضية التي شملت 12 كادراً حزبياً بارزاً، من بينهم رئيس بلدية إسطنبول الموقوف أكرم إمام أوغلو.
تحصين حزبي مؤقت: لتفادي تداعيات تأخر الفصل في الطعون، نظمت قيادة الحزب 3 مؤتمرات استثنائية أدت إلى إعادة انتخاب أوزال ثلاث مرات في غضون عامين لحماية شرعيته (المؤتمر العادي 38 في نوفمبر 2023، ثم المؤتمر الاستثنائي 21 في أبريل 2025، والمؤتمر الاستثنائي 22 في سبتمبر 2025).
2. حكم الاستئناف: عزل أوزال وتعيين رئيس مؤقت
في تطور دراماتيكي صدر يوم 21 مايو/أيار، أسقطت محكمة الاستئناف في أنقرة شرعية أوزغور أوزال عبر إلغاء نتائج مؤتمر عام 2023 بصفة نافذة.
ولم يتوقف الحكم عند العزل، بل قضى بتعيين الرئيس السابق كمال كليتشدار أوغلو رئيساً مؤقتاً للحزب لتسيير الأعمال، مع إلزام الحزب بتشكيل لجنة تحضيرية لتنظيم مؤتمر عام جديد واختيار قيادة شرعية في غضون 40 يوماً.
3. غضب في الشارع واعتقالات تلاحق القادة
فجّر القرار موجة عارمة من ردود الفعل الساخنة، ويمكن تلخيص المشهد الحالي في النقاط التالية:
“انقلاب قضائي”: نّدد حزب الشعب الجمهوري بالحكم، وتعهد أوزال بالاعتصام داخل المقر الرئيسي للحزب في أنقرة “ليل نهار” والطعن في القرار.
احتجاجات وتمزيق صور: تظاهر الآلاف من أنصار الحزب في أنقرة، وإسطنبول، وإزمير؛ وهتف المتظاهرون أمام مقر الحزب بالعاصمة “سيرحلون ونبقى”، فيما صبّ بعضهم غضبه على كليتشدار أوغلو عبر إنزال صوره وتمزيقها ووصفه بـ “الخائن”.
موقف أوزال وعين أردوغان: وجّه أوزال خطاباً حاداً للجماهير قال فيه: “يرى أردوغان بكل وضوح أنه لن يفوز في أي انتخابات قادمة، إنه يريد ترك الشعب بلا خيار وبلا قيادة، وهدف هذا الهجوم هو النظام الديمقراطي برمّته”.
موجة توقيفات جديدة: أعلنت النيابة العامة في إسطنبول عن توقيف 13 عضواً من الحزب (بينهم مسؤول إقليمي و6 مندوبين) في عدة محافظات، بتهمة التلاعب المباشر باقتراع عام 2023.
4. الموقف الدولي: قلق أوروبي وحقوقي
أثار الحكم أصداءً دولية واسعة؛ حيث أعرب الاتحاد الأوروبي عن قلقه البالغ إزاء استقلالية القضاء وسيادة القانون والتعددية الديمقراطية في تركيا، مطالباً بتمكين المعارضة من ممارسة دورها بحرية. من جهتها، أدانت منظمة هيومن رايتس ووتش القرار، واصفة إياه بـ “المناورات التعسفية لحكومة أردوغان لتحييد المعارضة”، ومؤكدة أنه يوجه “ضربة بالغة للديمقراطية وحقوق الإنسان”.
5. سيناريوهات المرحلة المقبلة وحرب “الكتلة البرلمانية”
تبدو ملامح الصراع المستقبلي معقدة وضبابية عبر مسارين:
برلمانياً: تحرك أوزال سريعاً لقطع الطريق على كليتشدار أوغلو داخل البرلمان؛ حيث أعلن أن 110 نواب من أصل 138 نائباً للحزب انتخبوه رئيساً للكتلة البرلمانية، مما يعني أنه سيقود اجتماعات الحزب البرلمانية بنفسه.
حزبياً: دعا كليتشدار أوغلو في تصريحاته للصحفيين إلى ضرورة “حماية القيم الأخلاقية للحزب” وتجنب أي انقسامات أو مشاحنات قد تؤدي إلى تفتيت القواعد الشعبية خلال فترة الـ 40 يوماً الانتقالية.
6. سياق أوسع: تفكيك المعارضة قبل انتخابات 2028
يرى مراقبون ومحللون سياسيون أن هذا الحكم لا ينفصل عن الضغوط القضائية المستمرة التي يتعرض لها الحزب منذ فوزه التاريخي في الانتخابات المحلية عام 2024.
وتشير أصابع الاتهام من جانب المعارضة إلى أن السلطة تسعى لإقصاء الرموز القوية؛ فرئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو—المنافس الأبرز لأردوغان في الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2028—يقبع في السجن منذ أكثر من عام بتهم فساد ينفيها جملة وتفصيلاً. ويعتقد مناهضو النظام أن هذه التحركات تهدف إلى إنهاك حزب الشعب الجمهوري لتمرير انتخابات رئاسية مبكرة تسمح لأردوغان بالترشح لولاية جديدة، وهو ما يمنعه الدستور الحالي في حال أتم ولايته الدستورية كاملة.
















