الاقتصاد التركي
وجبة عشاء أم معطف شتوي؟ تشوّه الأسعار يحوّل المطاعم إلى رفاهية في تركيا
بغضّ النظر عن القطاعات الاقتصادية الأخرى، تبدو صناعة الأغذية في تركيا حالة استثنائية، حيث بلغ تشوّه الأسعار وتبدّل مفهومها لدى المستهلكين مستوى يجعل من الصعب تحديد ما هو “سعر معقول”. فطبق كباب واحد بات يعادل ثمن معطف يمكن استخدامه لسنوات، فيما تحوّل تناول العشاء في مطعم لشخصين إلى إنفاق يوازي شراء جهاز منزلي صغير.
في المدن الكبرى على وجه الخصوص، لم يعد الذهاب إلى المطاعم عادة اجتماعية يومية، بل استهلاكًا فاخرًا. إذ نادرًا ما تقل فاتورة عشاء لشخصين في مطعم متوسط المستوى عن 2000 ليرة تركية، بينما تتراوح كلفة الفرد الواحد في المطاعم العادية بين 500 و1500 ليرة. وفي كثير من الأحيان، تصل الفاتورة الإجمالية إلى 3000 أو 4000 ليرة، بل وتتجاوز 5000 ليرة في بعض المطاعم، وهو مبلغ يعادل تقريبًا ميزانية إنفاق أسبوع كامل لشخص يتقاضى الحد الأدنى للأجور.
العشاء ينافس السلع المعمرة
اللافت في هذا المشهد ليس فقط ارتفاع الأرقام، بل البدائل الاستهلاكية التي يمكن الحصول عليها بالمبلغ ذاته. فميزانية تتراوح بين 2000 و3500 ليرة، والمخصصة لعشاء واحد لشخصين، تكفي اليوم لشراء معطف متوسط الجودة، أو حذاء رياضي، أو بنطال جينز، أو حتى جهاز منزلي صغير. وهكذا، لم تعد وجبة الطعام مجرّد حاجة يومية، بل تحولت إلى بند إنفاق ينافس السلع المعمرة.
مقارنة صادمة مع عام 2010
للوقوف على حجم التحوّل، تكفي العودة إلى عام 2010، حين كانت كلفة الوجبة في المطاعم تتراوح بين 10 و15 ليرة فقط. آنذاك، كان العامل الذي يتقاضى الحد الأدنى للأجور قادرًا على تناول نحو 60 وجبة في المطاعم، بينما اليوم لا يكفي الدخل نفسه إلا لقرابة 30 وجبة في المتوسط.
في المقابل، كان سعر المعطف متوسط الجودة يتراوح آنذاك بين 120 و180 ليرة. أي أن شراء معطف كان يتطلب التخلي عن 8 إلى 12 وجبة في المطاعم، بينما يكفي اليوم الاستغناء عن وجبة أو وجبتين فقط لشراء المعطف نفسه.
تضخم غير متوازن
خلال السنوات العشر الماضية، ارتفعت أسعار المواد الغذائية الأساسية بنحو 10 أضعاف، في حين قفزت أسعار قوائم الطعام في المطاعم بما يقارب 20 ضعفًا. أما على مدى الخمسة عشر عامًا الماضية، فقد زادت أسعار الغذاء بوتيرة أسرع من أسعار الملابس بمعدل يتراوح بين 3 و5 أضعاف. ويصف اقتصاديون هذا الواقع بأنه خلل تاريخي في توازن الأسعار بين السلع الاستهلاكية.
التكاليف ترتفع… لكن القوائم تقفز
ورغم تبرير أصحاب المطاعم ارتفاع الأسعار بزيادة التكاليف، فإن البيانات الرسمية لا تؤيد هذا الطرح بالكامل. فبحسب معهد الإحصاء التركي، جاءت أسعار المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية أقل من معدل التضخم العام أو قريبة منه في الآونة الأخيرة، بل شهدت بعض السلع انخفاضًا في أسعارها.
ويشير خبراء إلى أن تكاليف تشغيل المطاعم ارتفعت بنحو 30–40%، في حين زادت أسعار قوائم الطعام بنسبة تتراوح بين 150 و300%، ما يعزز الجدل حول المبالغة في التسعير واستغلال الطلب.
الطلب يتحول إلى فرصة
بعد جائحة كورونا، تغيّرت عادات المستهلكين ونظرتهم للأسعار. فلم تعد المطاعم تبيع الطعام فقط، بل تسوّقه بوصفه “تجربة خاصة”. ويرى علماء اجتماع أن استمرار الإقبال رغم الغلاء يعود إلى رغبة الناس في الحفاظ على مصادر سعادتهم الصغيرة، إضافة إلى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي.
هذا الطلب المتواصل غذّى المنافسة في قطاع الأغذية والمشروبات، وعزّز قناعة لدى بعض أصحاب المطاعم بأن أي طبق يُدرج في القائمة سيجد من يشتريه، مهما بلغ سعره.
