في مشهدٍ كان حتى وقت قريب ضرباً من الخيال السياسي، شهدت العاصمة السورية دمشق انعطافة تاريخية كبرى بزيارة هي الأولى من نوعها للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. الزيارة لم تكن مفاجئة بتوقيتها فحسب، بل في تفاصيلها اللوجستية التي حملت “بصمة تركية” صريحة، معلنةً عن ولادة خارطة تحالفات جديدة في المنطقة على أنقاض النفوذ الروسي المتراجع.
طائرة تركية ومهمة سرية
بدأت ملامح “القطيعة الجيوسياسية” مع موسكو تظهر منذ لحظة وصول زيلينسكي إلى دمشق؛ فبعد لقائه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في إسطنبول، فضل الرئيس الأوكراني ترك طائرته الرئاسية واستقلال طائرة رئاسية تركية متوجهاً إلى سوريا. خطوةٌ قرأها الخبراء كـ “درع أمان” تركي في سماء لا تزال تشهد توترات مع روسيا، وتأكيداً على أن أنقرة باتت “الضامن والمؤمن” للتحركات السياسية الكبرى في المنطقة.
لقاء “الشرع – زيلينسكي” بظلال تركية
الاجتماع الذي عقده زيلينسكي مع الرئيس السوري أحمد الشرع، لم يكن ثنائياً فحسب، بل حضره وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الذي وصل في زيارة مفاجئة تزامنت مع هذا الحدث. هذا الحضور الثلاثي يعكس توافقاً “تركياً – أوكرانياً – سورياً” جديداً يهدف إلى تبادل الخبرات العسكرية والأمنية، وبحث سبل سد الفجوات التي خلفها الانسحاب التدريجي لموسكو من الملف السوري.
الحبوب والطاقة.. عرض أوكراني لدمشق
وصف زيلينسكي الزيارة بـ “التاريخية”، مشيراً إلى أن كييف، رغم ظروف الحرب، مستعدة لتكون مورداً موثوقاً للحبوب لتعزيز الأمن الغذائي السوري، إضافة إلى تقديم خبراتها في قطاعي الطاقة والبنية التحتية. وقال زيلينسكي: “ناقشنا الحرب الروسية، وأنا ممتن للدعم السوري، وهناك اهتمام متبادل بتطوير التعاون العسكري والأمني”.
ضربة في قلب الكرملين
يرى سيرغي دانيلوف، من مركز كييف لدراسات الشرق الأوسط، أن ما حدث في 5 نيسان/أبريل هو “ضربة واضحة للكرملين”؛ فسوريا التي كانت لعقود حليفاً استراتيجياً لموسكو، تشهد الآن تحولاً جذرياً نحو المعسكر المقابل. دمشق التي كانت تتمحور نخبها حول روسيا، تبحث اليوم عن آفاق أمنية وتنموية مع كييف تحت مظلة إقليمية تركية.
خلاصة المشهد
إن وصول زيلينسكي إلى دمشق على متن طائرة تركية ليس مجرد إجراء احترازي، بل هو رسالة سياسية مشفرة مفادها أن قواعد اللعبة في الشرق الأوسط قد تغيرت، وأن دمشق بدأت فعلياً بفك ارتباطها التاريخي مع روسيا لتفتح أبوابها لتحالفات “الضرورة والاستراتيجية” مع أوكرانيا وجيرانها.














