اخر الاخبار
نقص الذهب يربك المشترين في الأسواق التركية
لم يكن التراجع المفاجئ في أسعار الذهب خلال الأيام الماضية مجرد رقم عابر على شاشات التداول في تركيا، بل تحول إلى “شرارة” أطلقت موجة شراء عارمة أعادت مشهد الطوابير الطويلة أمام محال الصاغة في إسطنبول وأنقرة. وفي بلد يُقدس الذهب كملاذ آمن، تحولت “الفرصة السعرية” إلى تحدٍ لوجستي، بعدما أعلن تجار عن نفاد مخزون الغرامات الصغيرة وسط ارتباك واضح في حركة العرض والطلب.
الميدان: سباق مع الزمن للادخار
في مجمع أسواق “أولوص” بالعاصمة أنقرة، تبدو الحركة وكأنها خلية نحل لا تهدأ. مواطنون يتنقلون بين المتاجر بلهفة، ليصطدم أغلبهم بعبارة “نفد المخزون”. ويروي مختار أويسان (62 عاماً) تجربته للجزيرة نت، مشيراً إلى أنه يرفض شراء “الذهب المشغول” بسبب ارتفاع أجور المصنعية، ويفضل “الذهب الخام” (الغرامات والأونصات) لضمان أقل خسارة عند إعادة البيع، وهو سلوك ادخاري بات يتبعه قطاع واسع من الأتراك.
من جانبه، ينفي عمر كارشيجون، صاحب متجر للمجوهرات، فرضية الاحتكار، مؤكداً أن السوق يعمل بشفافية وفق توريد يومي من المصانع، لكن ضغط الطلب “غير المسبوق” على الفئات الصغيرة تجاوز قدرة الإمداد الفورية، مما خلق فجوة مؤقتة أثارت انزعاج الزبائن.
أرقام مذهلة: الذهب يوازي نصف الاقتصاد
تتجاوز علاقة الأتراك بالذهب مجرد الزينة؛ إذ تشير البيانات إلى أن قيمة حيازات الأفراد من المعدن الأصفر قفزت لتتجاوز 750 مليار دولار، بعد زيادة هائلة بلغت 300 مليار دولار العام الماضي وحده. هذا الرقم الضخم يعادل تقريباً نصف حجم الاقتصاد التركي البالغ 1.57 تريليون دولار، مما يجعله المحرك الخفي للثروة في البلاد.
التحول الرقمي: الذهب بـ “نقرة” زر
ورغم أن نحو 600 مليار دولار من الذهب لا تزال “تحت الوسائد” (خارج النظام المصرفي)، إلا أن هناك زلزالاً رقمياً يلوح في الأفق. فقد سجلت مبيعات الذهب عبر الإنترنت في فبراير الماضي رقماً قياسياً بلغ 4.9 مليار ليرة (110 مليون دولار).
تقول عائشة تالاش، مدرسة رياضيات، إنها هجرت زحام الأسواق لصالح التطبيقات البنكية: “الشراء الفوري إلكترونياً يمنحني مرونة هائلة للبيع والشراء في الوقت المناسب دون عناء التنقل أو البحث عن توفر القطع في المحلات”.
التحدي الصعب: الذهب يربك “البنك المركزي”
يرى المحلل الاقتصادي عمر أكوتش أن هذا العشق التركي للذهب يمثل “صداعاً” لصانعي السياسة النقدية. ويشرح أكوتش للجزيرة نت كيف يضعف الذهب أثر قرارات البنك المركزي:
-
قناة موازية للثروة: ارتفاع قيمة الذهب لدى الأفراد يمنحهم شعوراً بالثراء، مما يحفز الاستهلاك وشراء العقارات والسيارات، وهو ما يعاكس سياسة “التشديد النقدي” التي تهدف لتقليل الطلب.
-
منافسة الليرة: الذهب لا ينافس الدولار فحسب، بل ينافس الودائع المصرفية أيضاً؛ فالمواطن يفضل التحوط بالمعدن الأصفر بدلاً من إيداع أمواله بالفائدة، مما يضعف قدرة البنك المركزي على كبح التضخم.
-
سرعة التحوط: التحول الرقمي جعل الانتقال من الليرة إلى الذهب يتم في ثوانٍ معدودة عند أي اضطراب، مما يزيد من حساسية السوق ويجعل إدارة السيولة النقدية مهمة بالغة التعقيد.
خلاصة المشهد: يبقى الذهب في تركيا أكثر من مجرد زينة أو تجارة؛ إنه “الترمومتر” الحقيقي لثقة الشارع بالأسواق، وفي ظل التذبذبات الحالية، يثبت المعدن الأصفر مرة أخرى أنه القوة التي لا يمكن للسياسات النقدية التقليدية تجاهلها أو السيطرة الكاملة عليها.
المصدر : الجزيرة
