في صراع الأدمغة والظلال الذي لا يهدأ بين أنقرة وتل أبيب، كشفت تفاصيل عملية استخباراتية تركية حديثة عن واحدة من أطول وأعقد عمليات المراقبة في العصر الحديث. لم تكن عملية “المونيتوم” مجرد ضبط لخلية تجسس عابرة، بل كانت معركة “صبر استراتيجي” استمرت 14 عاماً، انتهت بإجهاض مشروع إسرائيلي كان يستهدف اختراق شرايين الاقتصاد وسلاسل التوريد العالمية.
البداية.. طُعم في شباك الصياد
تعود جذور الحكاية إلى عام 2012، حين نجح الموساد الإسرائيلي في تجنيد مواطنين تركيين (أحدهما من أصول فلسطينية). بدأ الاختراق الإسرائيلي بأسلوب كلاسيكي: شركة وهمية، مهام صغيرة تتعلق بجمع معلومات عن فلسطينيين، ثم لقاءات في العواصم الأوروبية.
لكن ما لم يعلمه الموساد هو أن العيون التركية كانت توثق كل خطوة منذ اللحظة الأولى. وتحت اسم “المونيتوم” (الرصد طويل الأمد)، تركت المخابرات التركية الخلية تتحرك وتنمو، ليس إهمالاً، بل لرصد شبكة العلاقات الدولية للموساد وتحديد هوية ضباطه في أوروبا وآسيا.
اختبارات الثقة ومحطة “الزواري”
مع مرور السنوات، ارتفع سقف الثقة الإسرائيلي بالخلية. في عام 2016، دخل الثنائي عالم “تجارة الطائرات بدون طيار”، وكانت المخابرات الإسرائيلية هي من تزودهم بالعينات. وفي مفاجأة مدوية، كشف المقال أن هذه الخلية كانت طرفاً في محاولة بيع طائرات للمهندس التونسي محمد الزواري، الذي اغتاله الموساد لاحقاً في نفس العام.
تجاوز الجاسوسان اختبارات كشف الكذب في دول آسيوية وأوروبية، مما طمأن الموساد لدرجة منحهما “هواتف مشفرة” ومدفوعات نقدية ضخمة، مقابل معلومات حساسة عن البنية التحتية للاتصالات في تركيا ولبنان، شملت بيانات “المودم” وكلمات مرور وأرقام تسلسلية لخطوط إنتاج تقنية.
مشروع “الشركات الوهمية”.. فخ الأجهزة المتفجرة
وصلت العملية إلى ذروتها في يناير 2026. وضع الموساد “الخطة الكبرى” حيز التنفيذ: إنشاء شبكة من الشركات الوهمية في آسيا للتسلل إلى سلسلة التوريد الدولية. كان المخطط يعتمد على ثلاث حلقات:
الشركة الأولى: تشتري المنتج وتعدل تغليفه (وربما محتواه التقني).
الشركة الثانية: تتولى التخزين لإخفاء المصدر.
الشركة الثالثة: تشحن المنتج إلى الوجهة النهائية التي يحددها الموساد.
هذا التكتيك يعيد إلى الأذهان “مذبحة البيجر” في لبنان، حيث استُخدمت شركات وهمية في المجر لتفخيخ أجهزة الاتصال. ويبدو أن إسرائيل كانت تخطط لتكرار السيناريو على نطاق أوسع، وربما كانت تركيا أو حلفاؤها الإقليميون هم الهدف القادم لتلك المنتجات “المعدلة”.
الضربة القاضية.. ثمرة 14 عاماً من الانتظار
في اللحظة التي شرع فيها الموساد بتنفيذ مشروعه الاستراتيجي للعقد القادم، ضغطت المخابرات التركية على الزر. سقطت الخلية وسقطت معها أسرار الشركات الوهمية وضباط الموساد المشغلين لها في قارتين.
تثبت هذه العملية أن الصراع التركي-الإسرائيلي انتقل من المناكفات السياسية إلى “حرب وجود استخباراتية” داخل المصانع، وخطوط الشحن، وشبكات الإنترنت. وبإسقاط “المونيتوم”، وجهت أنقرة رسالة مفادها أن “الهلال الاستخباراتي التركي” بات يمتد من آسيا إلى قلب أوروبا، محصناً سلاسل توريده من “قنابل المجر” الموقوتة.















