أثار مقطع فيديو متداول على منصات التواصل الاجتماعي جدلًا واسعًا، بعد أن رافقته ادعاءات تزعم أن القوات التركية نفذت، في 5 سبتمبر/أيلول الجاري، عملية عسكرية مفاجئة داخل الأراضي السورية استهدفت أشخاصًا قيل إنهم يعملون لصالح إسرائيل.
وحصد المقطع انتشارًا واسعًا على منصتي «إكس» و«فيسبوك»، حيث قدمته حسابات عدة باعتباره توثيقًا لعملية إنزال جوي تركية، بل وذهب بعضها إلى وصف المشاهد بأنها «رسالة من أنقرة إلى تل أبيب» في ظل التوتر المتزايد بين الطرفين بشأن التطورات في سوريا.
ماذا يظهر في الفيديو المتداول؟
تظهر في اللقطات مروحية عسكرية ثقيلة تحلق على ارتفاع منخفض فوق منطقة سكنية، بينما تتدلى من الجزء الخلفي منها حبال يستخدمها أفراد يرتدون الزي العسكري للنزول إلى الأرض.
كما تظهر مروحية عسكرية أخرى في الخلفية، وهو ما دفع ناشري المقطع إلى ربط المشاهد بعملية إنزال عسكرية خاصة داخل الأراضي السورية.
لكن الفيديو المتداول، في نسخته القصيرة، لا يحتوي على أي علامة واضحة تثبت أن المروحيات أو الجنود تابعون للجيش التركي، كما لا يقدم ما يحدد مكان التصوير أو طبيعة المهمة التي كانت تُنفذ.
المفاجأة.. المقطع ليس من سوريا
أظهر التحقق من اللقطات أن المروحية الظاهرة في الفيديو هي من طراز CH-47 Chinook، وهي مروحية نقل عسكري ثقيل تستخدمها عدة دول، بينها تركيا، وبالتالي فإن ظهورها وحده لا يمكن أن يكون دليلًا على مشاركة القوات التركية.
لكن تحليل تفاصيل المشهد قاد إلى نتيجة مختلفة تمامًا؛ إذ ظهرت في الفيديو علامات مرتبطة بالبنية التحتية الهولندية، من بينها تصميم موقف الحافلات ومسارات الدراجات وطريقة تخطيط الطريق.
وبمقارنة هذه التفاصيل مع صور ومصادر جغرافية، تم تحديد موقع التصوير في مدينة روتردام الهولندية، وتحديدًا في شارع «أدريان فولكرلان» بمنطقة جنوب المدينة.
تدريب عسكري في روتردام وراء المشاهد
وأظهر التتبع أن اللقطات تعود إلى تدريب عسكري نفذته القوات المسلحة الهولندية في 27 أغسطس/آب 2026، أي قبل أيام من انتشار الادعاء المتعلق بتركيا وسوريا.
وشهد التدريب مشاركة عدد من المروحيات العسكرية، بينها مروحيات «شينوك» و«كوجار» و«أباتشي»، مع تنفيذ عمليات إنزال تكتيكي بواسطة الحبال في منطقة سكنية بمدينة روتردام.
كما عُثر على تسجيلات أطول للمشهد الأصلي، إضافة إلى لقطات من زوايا أخرى، وهو ما ساعد في مطابقة الموقع والتأكد من أن الفيديو المتداول جرى اقتطاعه من سياقه الأصلي.
كيف تحولت تدريبات هولندا إلى «عملية تركية في سوريا»؟
بدأ تداول المقطع في 5 سبتمبر/أيلول مع نصوص تزعم أن تركيا نفذت عملية مفاجئة داخل سوريا واعتقلت «عملاء إسرائيليين»، قبل أن تنتقل الرواية إلى عشرات الحسابات الأخرى وتحصل على ملايين المشاهدات.
وترافق انتشار الفيديو مع مزاعم إضافية تحدثت عن اعتقال عشرات الأشخاص المرتبطين بجهاز الموساد داخل تركيا، وربطت بين ذلك وبين عملية عسكرية مزعومة في سوريا، من دون تقديم أدلة مستقلة تثبت هذه الرواية.
الخلاصة
الفيديو المتداول لا يوثق عملية عسكرية تركية داخل سوريا، ولا يقدم دليلًا على اعتقال عملاء إسرائيليين، بل تعود مشاهده إلى تدريب عسكري نفذته القوات الهولندية في مدينة روتردام قبل انتشار الادعاء بأيام.
وبذلك، فإن ربط هذه اللقطات بعملية تركية سرية في سوريا يمثل اقتطاعًا للمشهد من سياقه الأصلي وإعادة تقديمه ضمن رواية مختلفة تمامًا عن حقيقة ما جرى.













