في 14 أغسطس/آب 2001، تأسس حزب العدالة والتنمية التركي بقيادة رجب طيب أردوغان ورفاقه، في مرحلة سياسية كانت تركيا خلالها تعيش تحت تأثير قوي للمؤسسة العسكرية، فيما كانت الأحزاب ذات الخلفية الإسلامية تواجه قيوداً وضغوطاً سياسية وقانونية.
ومنذ وصوله إلى السلطة بعد انتخابات عام 2002، دخل الحزب في واحدة من أطول التجارب السياسية في تاريخ تركيا الحديث، إذ ظل في الحكم لأكثر من عقدين، وشهدت البلاد خلال هذه الفترة تحولات كبيرة على المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والخارجية.
من حزب جديد إلى قوة سياسية مهيمنة
جاء تأسيس العدالة والتنمية بعد سنوات من الصدام بين التيارات المحافظة والمؤسسة العلمانية في تركيا، وهي المرحلة التي شهدت حظر أحزاب سياسية وقيوداً على المظاهر الدينية في المؤسسات العامة والجامعات.
وسعى أردوغان ورفاقه إلى تقديم نموذج سياسي أكثر براغماتية، يجمع بين المرجعية المحافظة والانفتاح السياسي والاقتصادي، ما ساعد الحزب على جذب قاعدة انتخابية واسعة.
وبعد فوزه في انتخابات عام 2002، تمكن الحزب من تشكيل الحكومة منفرداً، قبل أن يرسخ حضوره السياسي عبر سلسلة من الانتصارات الانتخابية والاستفتاءات خلال السنوات التالية.
مواجهات سياسية وعسكرية هددت مسيرة الحزب
لم تكن مسيرة العدالة والتنمية خالية من الأزمات، فقد واجه الحزب منذ سنواته الأولى ضغوطاً من المؤسسة العسكرية، كان أبرزها مذكرة الجيش عام 2007، قبل أن يتمكن أردوغان من تجاوز الأزمة.
وفي عام 2008، واجه الحزب دعوى أمام المحكمة الدستورية تطالب بحظره، لكنه نجا من الإغلاق بفارق صوت واحد.
كما دخل الحزب لاحقاً في مواجهة كبيرة مع جماعة فتح الله غولن، بعدما كان الطرفان حليفين خلال السنوات الأولى من حكم العدالة والتنمية.
وتصاعد الخلاف بين الجانبين بعد عام 2011، ثم ظهرت تداعياته بصورة أكبر خلال احتجاجات غيزي بارك عام 2013 وقضايا الفساد التي اندلعت في نهاية العام نفسه.
وبلغ الصراع ذروته مع محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو/تموز 2016، التي تمكنت الحكومة من احتوائها، لتبدأ بعدها مرحلة واسعة من إعادة ترتيب مؤسسات الدولة وتعزيز قبضة السلطة التنفيذية.
من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي
بعد محاولة الانقلاب، اتجهت تركيا إلى مرحلة سياسية جديدة، كان أبرز ملامحها الانتقال من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي.
ومع تطبيق النظام الجديد، ازدادت صلاحيات رئيس الجمهورية، وأصبح أردوغان مركز الثقل الرئيسي في الحياة السياسية التركية.
وساعد تشتت المعارضة والتحالف بين حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية على استمرار سيطرة التحالف الحاكم على المشهد السياسي، رغم ظهور مؤشرات جديدة على تغير المزاج الانتخابي.
انتخابات 2024 تدق ناقوس الخطر
شكلت الانتخابات المحلية التي جرت عام 2024 نقطة تحول مهمة بالنسبة إلى حزب العدالة والتنمية، بعدما تمكن حزب الشعب الجمهوري من تحقيق تقدم كبير وتصدر النتائج في عدد من المدن الرئيسية.
وكانت النتيجة بمثابة رسالة سياسية إلى الحزب الحاكم، خصوصاً مع استمرار الضغوط الاقتصادية وارتفاع التضخم وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.
وبات الاقتصاد أحد أهم الملفات التي ستحدد مستقبل شعبية أردوغان وحزبه خلال المرحلة المقبلة.
الاقتصاد.. التحدي الأكبر أمام أردوغان
رغم النجاحات التي حققتها تركيا في قطاعات الصناعة والبنية التحتية والدفاع والتكنولوجيا، فإن ارتفاع الأسعار والتضخم وتراجع القدرة الشرائية أصبحت من أبرز مصادر القلق بالنسبة إلى الحكومة.
كما يمثل بطالة الشباب وارتفاع تكاليف المعيشة تحدياً إضافياً، خصوصاً مع دخول أجيال جديدة إلى الحياة السياسية والانتخابية تختلف أولوياتها عن الأجيال التي دعمت الحزب في بداياته.
ويرى محللون أن قدرة الحكومة على تحسين المؤشرات الاقتصادية واستعادة القوة الشرائية ستكون عاملاً حاسماً في تحديد اتجاه الناخبين في الانتخابات المقبلة.
سياسة خارجية أكثر حضوراً
شهدت السياسة الخارجية التركية خلال عهد العدالة والتنمية تحولاً كبيراً، إذ وسعت أنقرة علاقاتها مع الشرق الأوسط والعالم العربي، بالتزامن مع تعزيز حضورها في ملفات إقليمية ودولية متعددة.
كما اتخذ أردوغان مواقف أكثر حدة تجاه إسرائيل، وكان من أبرزها المواجهة الشهيرة مع الرئيس الإسرائيلي الراحل شمعون بيريز في منتدى دافوس عام 2009.
وخلال مرحلة الربيع العربي، انخرطت تركيا في ملفات المنطقة بصورة أكبر، وظهرت خلافات مع عدد من الدول العربية، كما تدخلت عسكرياً في سورية وليبيا وشمال العراق، ودعمت أذربيجان في صراعها مع أرمينيا.
لكن السياسة الخارجية التركية بدأت منذ عام 2022 مرحلة مختلفة اتسمت بإعادة تطبيع العلاقات مع عدد من دول المنطقة، انطلاقاً من المصالح الاقتصادية والسياسية المشتركة.
الصناعات الدفاعية تعزز نفوذ تركيا
من أبرز التحولات التي شهدتها تركيا خلال عهد العدالة والتنمية التطور الكبير في الصناعات الدفاعية، إذ توسعت البلاد في تصنيع الطائرات المسيرة والمروحيات والمركبات العسكرية والصواريخ والذخائر، إلى جانب تطوير مشاريع محلية في قطاعات التكنولوجيا والصناعة.
كما عززت تركيا موقعها داخل حلف شمال الأطلسي «الناتو»، ووسعت علاقاتها الدفاعية مع عدد من الدول، في وقت تسعى فيه أنقرة إلى لعب دور أكبر في الترتيبات الأمنية الإقليمية.
ماذا ينتظر حزب العدالة والتنمية في الانتخابات المقبلة؟
يرى مراقبون أن التحدي الأساسي أمام الحزب لم يعد مرتبطاً فقط بالمعارضة التقليدية، وإنما بقدرته على التكيف مع تغير المجتمع التركي وتطلعات الأجيال الجديدة.
ويؤكد الكاتب في صحيفة «حرييت» عبد القادر سيلفي أن الحزب استطاع خلال سنواته الأولى قيادة عملية تغيير واسعة، لكنه يحتاج إلى الاستمرار في الاستجابة لمطالب الفئات الجديدة حتى يحافظ على نفوذه.
وبحسب سيلفي، فإن أردوغان ما زال قادراً على قراءة اتجاهات الناخبين وتطوير حملاته السياسية، إلا أن تحسين الاقتصاد سيظل عاملاً أساسياً في تحديد فرص الحزب في المستقبل.
مستقبل أردوغان.. ومن يخلفه؟
تزداد التساؤلات أيضاً بشأن مستقبل حزب العدالة والتنمية بعد أردوغان، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
ويشير محللون إلى أسماء محتملة لخلافة أردوغان، من بينها وزير الخارجية هاكان فيدان، مع الإشارة إلى أن انتقاله إلى قيادة الحزب سيحتاج إلى خبرة سياسية وحزبية واسعة.
كما طُرح اسم بلال أردوغان في بعض النقاشات المتعلقة بالمستقبل، لكن مراقبين يرون أن الناخبين الشباب قد لا يتقبلون بسهولة فكرة انتقال السلطة داخل العائلة.
وفي النهاية، يبقى مستقبل الحزب مرتبطاً بقدرته على الحفاظ على قاعدته التقليدية، جذب الناخبين الشباب، معالجة الأزمة الاقتصادية، وتحديد مسار واضح لمرحلة ما بعد أردوغان.












