يمثل قطاع السيارات في تركيا أحد أبرز ركائز الاقتصاد الصناعي في البلاد؛ إذ نجح خلال العقود الستة الماضية في إحداث قفزة نوعية حوّلته من مجرد خطوط تجميع وشراكات محدودة إلى منظومة صناعية متكاملة تمتلك قدرات إنتاجية، وتقنية، وبحثية متقدمة، جعلت من أنقرة مركزاً إقليمياً وعالمياً ثقيل الوزن في إنتاج المركبات وتصديرها.
ووفقاً لمعطيات مكتب الاستثمار والشؤون المالية في الرئاسة التركية، استغلت البلاد موقعها الجغرافي الاستراتيجي الذي يربط بين القارتين الأوروبية والآسيوية ومنطقة الشرق الأوسط، وعززته ببنية تحتية متطورة وقوى عاملة مؤهلة، لتصعد بقوة إلى قائمة كبار المنتجين عالمياً.
طفرة استثمارية وتطور تاريخي متسارع
منذ مطلع الألفية الجديدة، شهد القطاع تدفقات استثمارية كبرى تجاوزت قيمتها 20 مليار دولار منذ عام 2000 من قِبل كبرى العلامات التجارية العالمية. هذه الاستثمارات أسهمت بشكل مباشر في تعميق دمج تركيا بسلاسل القيمة العالمية وتطوير سلاسل الإمداد المحلية.
ويعود تاريخ هذه الصناعة إلى أوائل ستينيات القرن الماضي عبر خطوات تصنيعية أولى، لتتطور تدريجياً من التجميع المحلي إلى مراحل التصميم، والهندسة، والابتكار، مما سرّع وتيرة التحول خلال العقدين الأخيرين.
لغة الأرقام: قفزة هائلة في الإنتاج والمكانة الأوروبية
تعكس المؤشرات الرقمية حجم النمو المستقر والقدرة العالية للقطاع على التوسع ومواجهة التقلبات الاقتصادية العالمية:
حجم الإنتاج: قفز إنتاج تركيا من المركبات إلى نحو 1.4 مليون مركبة في عام 2024، مقارنة بـ 300 ألف مركبة فقط في عام 2002.
معدل النمو: حقق السوق معدل نمو سنوي مركب بلغ نحو 6% بين عامي 2002 و2024.
الترتيب الأوروبي والعالمي: بحلول نهاية عام 2024، احتلت تركيا المرتبة الرابعة أوروبياً في إنتاج السيارات إجمالاً، والمرتبة الثانية أوروبياً في إنتاج المركبات التجارية، بينما صعدت إلى المرتبة الثانية عشرة عالمياً.
عقيدة تصديرية وشبكة إمداد محلي عملاقة
تتميز صناعة السيارات التركية بطبيعتها التصديرية الفائقة؛ إذ يتم توجيه نحو 75% من إجمالي الإنتاج إلى الأسواق الخارجية (وخاصة السوق الأوروبية)، حيث نجحت تركيا في تصدير أكثر من مليون مركبة خلال عام 2024 وحده.
ويستند هذا النجاح التصديري إلى قاعدة توريد محلية ودولية صلبة تشمل:
أكثر من 1100 شركة محلية متخصصة في توريد المكونات وقطع الغيار.
تراوح نسب توطين الصناعة لدى مصنّعي المعدات الأصلية (OEM) بين 50% و70%.
احتضان تركيا لأكثر من 530 شركة توريد عالمية، من بينها 30 شركة مصنفة ضمن قائمة أكبر 50 شركة توريد على مستوى العالم.
عقول مبتكرة: 167 مركزاً للبحث والتطوير والبرمجيات
بالتوازي مع الطفرة الإنتاجية، ركزت أنقرة على ملف الابتكار؛ وحسب بيانات وزارة الصناعة والتكنولوجيا التركية، بلغ عدد مراكز البحث والتطوير والتصميم المعتمدة للقطاع 167 مركزاً. وتدير شركات برمجيات وهندسة عملاقة أنشطة بحثية متقدمة لتطوير المركبات الذكية والكهربائية داخل تركيا، ومن أبرزها:
Ford Otosan: يقع مركز أبحاثها في تركيا ويُصنف ضمن أكبر 3 مراكز أبحاث لشركة “فورد” عالمياً.
Stellantis: يمثل مركزها في مدينة “بورصة” المركز الوحيد للشركة في أوروبا خارج إيطاليا.
Daimler: تدير مركزاً تكنولوجياً متطوراً في إسطنبول يركز على البرمجيات وتقنيات المركبات التجارية.
الحلم الكهربائي “Togg”.. الانتقال إلى الملكية الفكرية الكلية
في إطار مواكبة التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، وضعت تركيا حجر الأساس لعلامتها التجارية الوطنية للسيارات الكهربائية “Togg”، والتي طرحت أول طرازاتها من فئة السيارات الرياضية متعددة الاستخدامات (SUV) في الأسواق عام 2023، لتقتنص سريعاً صدارة مبيعات السيارات الكهربائية في البلاد.
وتسعى مجموعة “Togg” عبر خطة استراتيجية ممتدة إلى إنتاج 5 نماذج مختلفة بحلول عام 2030 بناءً على منصة موحدة تمتلك تركيا كامل حقوقها الفكرية والصناعية، لتتحول الدولة رسمياً من صفة “قاعدة إنتاج للشركات الأجنبية” إلى “دولة مالكة لعلامة تجارية عالمية”.
















