في قلب ولاية سيواس التركية، وتحديداً في قضاء ديفريغي، تقع جوريك، وهي مستوطنة اشتهرت في الماضي باسم «باريس الصغيرة»، بعدما تحولت إلى مركز سكني متكامل يضم مختلف الخدمات والمرافق التي يحتاج إليها السكان. لكن المكان الذي كان يعج بالحياة ويحتضن نحو ألفي شخص، أصبح اليوم منطقة شبه مهجورة، تتحدث مبانيها المتداعية عن مرحلة مختلفة تماماً من تاريخه.
وأعادت مقاطع مصورة نشرها حساب حسن آدا على موقع يوتيوب تسليط الضوء على ماضي جوريك، مستعرضة التحولات التي شهدتها عبر السنوات، إلى جانب ذكريات السكان السابقين الذين عاشوا فيها خلال فترة ازدهارها.
مدينة متكاملة لم تكن تفتقر إلى شيء
لم تكن جوريك مجرد تجمع سكني للعاملين في منشأة التعدين، بل كانت مدينة صغيرة متكاملة توفر لسكانها احتياجات الحياة اليومية. فقد ضمت مساكن للعمال والموظفين، ومدارس ومستشفى ومسجداً ومكتباً للبريد، إلى جانب متاجر للمواد الغذائية والملابس ومخبز ومستودعات ومبانٍ إدارية.
كما احتوت على سينما ومرافق اجتماعية وترفيهية، فضلاً عن مسبح وملعب للتنس ومناطق مخصصة لممارسة الرياضة، وهو ما منحها طابعاً مميزاً مقارنة بالعديد من التجمعات السكنية المرتبطة بالمناجم.
وكانت الحياة الاجتماعية جزءاً أساسياً من هوية المكان. ففي فصل الصيف، كان الأطفال والشباب يقضون أوقاتهم في المسبح، حيث كانت تُنظم مسابقات سباحة بحسب الفئات العمرية، ويحصل الفائزون على الميداليات.
أما في المساء، فكانت العائلات تجتمع في المطعم التابع للمسبح والمرافق الاجتماعية، بينما شكلت السينما والنادي المحلي نقطتين مهمتين للقاء السكان وقضاء أوقات الفراغ. وكانت الاحتفالات بالأعياد الرسمية تُقام في منطقة تحيط بها أشجار الصنوبر، بالقرب من تمثال لمؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك.
الخصخصة وتراجع فرص العمل غيّرا مصير المدينة
بدأت ملامح التراجع تظهر مع خصخصة منشأة التعدين وانخفاض فرص العمل، ما دفع عدداً من السكان إلى مغادرة المنطقة بحثاً عن حياة أفضل في مدن أخرى، فيما غادر آخرون بعد التقاعد.
وقال مختار قرية جوريك، إحسان أيدوغان، إن المكان كان يضم كل ما يحتاج إليه السكان، من المدارس والمستشفى والمسجد إلى مكتب البريد، واصفاً إياه بأنه موقع مميز للحياة والاستقرار.
وأضاف أن الأوضاع تغيرت بعد الخصخصة، مشيراً إلى أن الشركة لم تعد تهتم بالمنطقة كما في السابق، وأن كثيراً من السكان تقاعدوا أو انتقلوا إلى أماكن أخرى. ولفت إلى أن التراجع أصبح واضحاً بعد عام 2003.
ومع تناقص عدد السكان، فقدت المباني والمرافق الاجتماعية وظائفها تدريجياً، وأُغلقت أجزاء من المدينة التي كانت مخصصة لخدمة العمال وعائلاتهم، لتتحول المساحات التي كانت تعج بالحركة إلى أماكن صامتة تكاد تخلو من مظاهر الحياة.
لماذا أطلقوا عليها اسم «باريس الصغيرة»؟
يتذكر سكان المنطقة السابقون جوريك باعتبارها واحدة من أبرز الأماكن في محيطها، لما كانت توفره من خدمات ووسائل ترفيه وحياة اجتماعية نشطة.
وقال أحد سكان المنطقة، غاريب أوردَك، إن جوريك كانت في الماضي وجهة محببة للجميع، مشيراً إلى أنها اشتهرت بتنوع مرافقها وجودة الطعام فيها، بل إن فنانين كانوا يزورونها، بحسب ما يتذكره السكان.
وأضاف أن المنطقة كانت تُعرف باسم «باريس الصغيرة»، رغم أنها أصبحت اليوم شبه خالية من السكان، مؤكداً أن طبيعتها وهواءها ما زالا من أبرز مميزاتها.
وتعكس هذه الشهادات صورة مكان لم يكن مجرد منطقة لإقامة عمال المناجم، بل مجتمعاً متكاملاً تشكلت فيه ذكريات عائلات وأطفال وموظفين، قبل أن تؤدي التحولات الاقتصادية إلى تفككه تدريجياً.
جوريك اليوم.. أطلال تروي قصة مدينة منسية
تبدو جوريك اليوم بعيدة عن صورتها القديمة؛ فالمباني التي احتضنت المنازل والمكاتب والمرافق الاجتماعية باتت تحمل آثار الإهمال، فيما تحولت المساحات التي شهدت تجمعات السكان وأنشطتهم اليومية إلى أماكن هادئة شبه خالية.
وشبّه التقرير مظهرها الحالي بمناطق مهجورة تذكّر بمشهد تشيرنوبل، في إشارة إلى حجم التغير الذي طرأ عليها، وليس بالضرورة إلى وجود ظروف إشعاعية أو كارثة نووية في المنطقة.
وبعدما كانت جوريك مركزاً سكنياً نابضاً بالحياة، لا تزال آثارها العمرانية وذكريات سكانها شاهداً على مرحلة من تاريخ المنطقة، حين وفرت منشأة التعدين فرص العمل والخدمات التي جذبت مئات العائلات وأسهمت في ازدهار المكان.
للمزيد من الأخبار والفيديوهات تابعونا عبر التلجرام











