شهدت الصناعات الدفاعية التركية خلال السنوات الأخيرة قفزة نوعية جعلتها في صدارة المشهد العسكري العالمي، حيث برز ما يُعرف بـ”مبدأ بيرقدار” بوصفه نموذجًا جديدًا غيّر قواعد الحرب الحديثة عبر الاعتماد على الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة وعالية الكفاءة.
وأصبحت طائرات بيرقدار TB2، التي طورتها شركة بايكار التركية، رمزًا لهذا التحول بعد نجاحها في عدد من النزاعات الإقليمية، من ليبيا إلى ناغورنو كاراباخ وأوكرانيا، حيث جمعت بين مهام الاستطلاع والضربات الدقيقة، ما قلل من الحاجة إلى الطائرات المأهولة ورفع من فعالية العمليات العسكرية.
طفرة غير مسبوقة في صادرات الدفاع التركية
تزامن هذا التطور مع نمو هائل في صادرات الصناعات الدفاعية التركية، إذ ارتفعت من نحو 250 مليون دولار عام 2000 إلى ما يقارب 10 مليارات دولار عام 2025، في مؤشر واضح على التحول الذي شهدته البلاد في مجال التكنولوجيا العسكرية.
وباتت المنتجات الدفاعية التركية حاضرة في عشرات الدول حول العالم، حيث لم تعد أنقرة تكتفي بتصدير المعدات العسكرية التقليدية، بل أصبحت توفر أنظمة دفاعية متكاملة تشمل المنصات والبرمجيات والبنية التشغيلية الكاملة.
من إدلب إلى قره باغ.. ولادة “مبدأ بيرقدار”
يرى مراقبون أن عملية “درع الربيع” في محافظة إدلب السورية عام 2020 شكلت نقطة تحول مهمة في تاريخ الحروب الحديثة، بعدما أظهرت الطائرات المسيّرة التركية قدرتها على استهداف تشكيلات مدرعة وأنظمة دفاع جوي متطورة بكفاءة عالية.
كما عززت حرب ناغورنو كاراباخ مكانة هذا النموذج العسكري، بعدما لعبت المسيّرات دورًا محوريًا في تغيير موازين القوى على الأرض خلال فترة زمنية قصيرة، الأمر الذي دفع العديد من مراكز الدراسات العسكرية الغربية إلى الحديث عن “مبدأ بيرقدار” كنموذج عملياتي جديد.
اهتمام أوروبي متزايد بالتكنولوجيا العسكرية التركية
ومع تصاعد التحديات الأمنية في أوروبا وإعادة تقييم الولايات المتحدة لانتشارها العسكري حول العالم، بدأت دول أوروبية عدة تنظر باهتمام متزايد إلى القدرات الدفاعية التركية.
وتشير تقارير إلى أن دولًا داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) تدرس التعاون مع تركيا في مشاريع عسكرية متقدمة، تشمل الطائرات المقاتلة وأنظمة الصواريخ بعيدة المدى، في خطوة تعكس تنامي الثقة الدولية بالصناعات الدفاعية التركية.
منظومة دفاعية متكاملة
لم يعد النجاح التركي مقتصرًا على الطائرات المسيّرة فقط، بل يشمل مجموعة واسعة من المشاريع الدفاعية، أبرزها:
- المقاتلة الشبحية من الجيل الخامس KAAN.
- طائرة التدريب النفاثة HÜRJET.
- المروحية متعددة المهام GÖKBEY.
- الطائرات المسيّرة القتالية آقنجي وأنكا 3 وTB3.
- سفينة TCG Anadolu، أول حاملة مخصصة للمسيّرات في العالم.
- دبابة القتال الرئيسية ألتاي.
- أنظمة الدفاع الجوي حصار وسيبار.
- أنظمة الحرب الإلكترونية المتطورة من إنتاج شركة أسيلسان.
نحو استقلال استراتيجي
ويرى خبراء أن الإنجازات الدفاعية التركية تعكس توجهًا طويل الأمد نحو تحقيق الاستقلال التكنولوجي والعسكري، مدعومًا باستثمارات واسعة في البحث والتطوير وبرامج تأهيل الكفاءات الشابة.
كما ساهمت فعاليات مثل مهرجان تكنوفيست في تعزيز ثقافة الابتكار بين الشباب الأتراك، ما أسهم في بناء قاعدة بشرية قادرة على دعم طموحات تركيا في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والصناعات الدفاعية.
ومع استمرار توسع صادراتها العسكرية وتزايد الاعتماد الدولي على تقنياتها الدفاعية، تواصل تركيا تعزيز حضورها كأحد اللاعبين المؤثرين في تشكيل مستقبل الأمن العالمي خلال العقود المقبلة.
















