لطالما ارتبطت إسطنبول في أذهان الكثيرين بصورة المدينة الساحرة التي تجمع بين جودة الحياة والتكاليف المعقولة مقارنة بالعواصم الأوروبية الكبرى، لكن تقريراً صحفياً بريطانياً حديثاً قلب هذه الصورة رأساً على عقب، بعدما كشف أن أسعار المواد الغذائية الأساسية في إسطنبول باتت أعلى بنسبة 62% مقارنة بمدينة لندن خلال عام 2026.
واعتمد التقرير على تجربة ميدانية مباشرة لمقارنة أسعار سلة غذائية موحدة بين مدينتي لندن وإسطنبول، شملت منتجات أساسية لا تستغني عنها أي أسرة مثل الحليب والبيض والخبز والزيت والسكر والخضروات. وبعد احتساب الأسعار وفق أسعار الصرف الحالية، تبيّن أن السلة نفسها التي تُشترى في لندن بمبلغ معين، تحتاج في إسطنبول إلى تكلفة تزيد بنسبة 62%.
المفارقة التي لفتت انتباه التقرير أن تركيا، رغم كونها دولة زراعية ومنتجة للعديد من السلع الغذائية، لم تتمكن من الحفاظ على انخفاض أسعار المنتجات المحلية، بل إن بعض السلع التركية المصدّرة أصبحت تُباع في الأسواق البريطانية بأسعار أقل من مثيلاتها داخل إسطنبول نفسها.
وأشار التقرير إلى أن أحد أسباب تفوق لندن في استقرار أسعار الغذاء يعود إلى المنافسة القوية بين سلاسل المتاجر الكبرى، والتي تدفع الشركات إلى تقليص هوامش الأرباح للحفاظ على الزبائن، في حين تعاني الأسواق التركية من ارتفاع تكاليف النقل والطاقة والوساطة التجارية بين المنتج والمستهلك.
كما لعبت أزمة التضخم وارتفاع تكاليف الوقود والشحن دوراً رئيسياً في زيادة أسعار المواد الغذائية داخل تركيا، خاصة مع استمرار تقلبات الأسعار والضرائب المرتفعة التي تنعكس بشكل مباشر على المستهلك النهائي.
ولم تقتصر الأزمة على ارتفاع الأسعار فقط، بل امتدت إلى تراجع القوة الشرائية للمواطنين. فبحسب التقرير، يستطيع العامل في لندن شراء السلة الغذائية الأساسية بعد ساعات عمل أقل بكثير مقارنة بالعامل في إسطنبول، الذي يحتاج إلى يوم عمل كامل تقريباً لتأمين الاحتياجات الغذائية نفسها.
هذا الواقع أدى إلى تزايد الضغوط على الطبقة الوسطى في تركيا، حيث بات الجزء الأكبر من دخل الأسر يذهب لتغطية أساسيات الحياة مثل الطعام والسكن والطاقة، ما تسبب في تراجع الإنفاق على الجوانب الترفيهية والخدمات الأخرى.
وتحدث التقرير أيضاً عن ظاهرة بدأت تتوسع مؤخراً، تتمثل في انتقال بعض العائلات التركية من إسطنبول إلى مدن وولايات أقل تكلفة، بحثاً عن مستوى معيشة أكثر استقراراً، في وقت أصبحت فيه المدينة تشكل عبئاً مالياً متزايداً حتى على أصحاب الدخل المتوسط.
وفي ختام التقرير، دعا خبراء اقتصاديون إلى ضرورة إعادة النظر في السياسات الزراعية وسلاسل التوريد والرقابة على الأسواق، مع تعزيز الدعم للمزارعين وتخفيف تكاليف النقل، من أجل الحد من ارتفاع الأسعار واستعادة التوازن في السوق المحلية.
وأكد التقرير أن إسطنبول، التي كانت تُعرف يوماً بأنها مدينة تجمع بين الجمال وانخفاض التكاليف، تواجه اليوم تحديات اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة، تجعل الحياة فيها أكثر صعوبة بالنسبة لشريحة واسعة من السكان.
















