في الوقت الذي يغامر فيه الملايين بحياتهم عبر الحدود للوصول إلى “الحلم الأمريكي”، كشفت تقارير صحفية حديثة عن ظاهرة معاكسة ومثيرة للجدل؛ حيث يواجه آلاف الأمريكيين المقيمين في الخارج تعقيدات بيروقراطية ومالية دفعتهم لاتخاذ القرار الأصعب: التخلي عن الجنسية الأمريكية.
أرقام تتصاعد.. والجنسية “لم تعد رمزاً للفخر”
نشرت مجلة “نيوزويك” بيانات صادمة تعكس حجم التحول؛ ففي عام 2024 وحده، تخلى نحو 5000 أمريكي عن جنسيتهم، وهو رقم يقارب ضعف ما تم تسجيله في عام 2021. وللمقارنة، كانت هذه الحالات لا تتجاوز بضع مئات سنوياً قبل عام 2009، مما يشير إلى أزمة ثقة متنامية بين المواطن ودولته.
الضرائب.. الملاحقة التي لا تنتهي
تعتبر الولايات المتحدة، إلى جانب “إريتريا”، الدولتين الوحيدتين في العالم اللتين تفرضان نظام ضرائب قائماً على “الجنسية” وليس “الإقامة”. هذا يعني أن المواطن الأمريكي ملزم بدفع الضرائب لواشنطن حتى لو لم يطأ قدمه أرضها لسنوات، وحتى لو كان يدفع ضرائب لدولة أخرى.
يروي “سكوت”، وهو جندي أمريكي سابق يعيش في كندا، كيف أن تكلفة إعداد الإقرارات الضريبية السنوية فقط تكلفه ما بين 3000 و5000 دولار، فضلاً عن تعقيدات ضرائب الميراث التي تهدد ممتلكات عائلته، مما جعله يرى في التخلص من جنسيته “أفضل خيار” لحماية مستقبل أبنائه.
قانون “فاتكا”.. عندما تغلق البنوك أبوابها
لم تتوقف المعاناة عند الضرائب فحسب، بل زاد قانون الامتثال الضريبي (FATCA) من تعقيد المشهد؛ حيث باتت البنوك العالمية تتجنب التعامل مع الأمريكيين لتفادي الإبلاغ الإجباري عن أصولهم للسلطات الأمريكية. تروي “أليس”، وهي أمريكية مقيمة في أوروبا، كيف وجدت نفسها منبوذة مالياً، غير قادرة على فتح حسابات مصرفية أو الحصول على قروض لشراء منزل، لمجرد أنها تحمل الجواز الأمريكي.
السياسة.. الشعرة التي قصمت ظهر البعير
بجانب الأعباء المالية، برز “الاستياء السياسي” كمحرك رئيسي لهذه الظاهرة. بالنسبة للكثيرين مثل “أليس”، كانت عودة دونالد ترمب إلى المشهد وسياساته المثيرة للجدل العامل الحاسم الذي جعلهم يشعرون بالاغتراب التام عن وطنهم الأم، ودفعتهم لإنفاق مبالغ طائلة (تصل أحياناً لـ 25 ألف دولار) لإنهاء علاقتهم الرسمية بواشنطن.
رد واشنطن: “الجنسية هدية”
رغم هذه المعاناة الإدارية والمالية الصارخة، ترفض الحكومة الأمريكية الاعتراف بوجود مشكلة هيكلية. وتكتفي وزارة الخارجية الأمريكية بوصف الجنسية بأنها “هدية يجب الاعتزاز بها”، وهو وصف يراه المتضررون بعيداً كل البعد عن واقعهم الذي تحول فيه الجواز الأمريكي من امتياز إلى “قيد مالي” يلاحقهم حول العالم.














