على مسافة لا تتجاوز 100 متر من الجدار الحدودي الفاصل، بدأت فوهات المدافع المصرية زئيرها، في مشهد لم تألفه الحدود الجنوبية لإسرائيل منذ عقود. هذه المناورات التي انطلقت اليوم وتستمر حتى نهاية أبريل، لم تكن مجرد تدريب روتيني في نظر سكان المستوطنات وقادة الأمن الإسرائيليين، بل كانت “كابوساً” يُعيد للأذهان سيناريوهات ما قبل السابع من أكتوبر.
هدير المحركات وصمت القلق
بينما كانت الشمس تشرق على غلاف غزة الجنوبي، تلقى منسقو الأمن في البلدات الحدودية إخطارات استثنائية من لواء “فاران” الإسرائيلي: “الجيش المصري سيبدأ رماية مكثفة بالذخيرة الحية من السادسة صباحاً وحتى السابعة مساءً”. هذا البلاغ نزل كالصاعقة على المستوطنين الذين باتوا يرصدون كل تحرك خلف السياج بعين الشك والريبة.
موقع “والا” العبري وصف المشهد بـ”الاستثنائي”، مؤكداً أن اقتراب القوات المصرية لهذه المسافة الصفرية من الجدار أثار موجة غضب عارمة بين سكان “غلاف إسرائيل”، الذين يرفضون أن تكون مناطقهم “ساحة تجارب” أو “مختبراً” لمدى مرونة الردع الإسرائيلي.
عقدة “أكتوبر” تلاحق تل أبيب
لم يكن القلق الإسرائيلي وليد الصدفة، فمنتدى “غلاف إسرائيل” أصدر بياناً حاداً اعتبر فيه أن السماح بهذه المناورات هو “سابقة خطيرة”. ويرى هؤلاء أن ما يحدث اليوم على الحدود المصرية يشبه تماماً التدريبات التي كان يجريها “أعداء إسرائيل” قرب سياج غزة قبل هجوم السابع من أكتوبر الكبير، وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة: هل إسرائيل مستعدة لمواجهة أي تطور مفاجئ؟
وزاد من حدة التوتر، رصد تحركات لشاحنات مصرية “غامضة” قبل أسابيع، وبرغم تبرير الجيش الإسرائيلي بأنها تخص قبائل بدوية، إلا أن السكان رفضوا تلك التبريرات، معتبرين أن “الدروس المؤلمة” لا تسمح بقبول أي تحرك غير مألوف.
قراءة في العمق: “ثقة هشة وجيش ضخم”
من جانبه، وضع الخبير المصري المتخصص في الشؤون الإسرائيلية، محمود محيى، هذا التوتر في إطاره التاريخي. وفي تصريحات لـ RT، أوضح محيى أن الثقة الأمنية بين القاهرة وتل أبيب تظل “هشة ومحدودة” بإطار التعاون الرسمي فقط، رغم معاهدة السلام.
وأشار محيى إلى أن تل أبيب تنظر إلى ضخامة وقوة الجيش المصري بعين الترقب، خاصة في ظل التحولات الإقليمية منذ 2011. وأكد أن حساسية إسرائيل تضاعفت بعد ثغرات “طوفان الأقصى”، حيث بات أي نشاط عسكري قرب الحدود يُفسر فوراً عبر عدسة “الشك والاستعداد للأسوأ”، حتى لو جاء من دولة شريكة في السلام.
بينما تستمر الرماية المصرية حتى 30 أبريل، يبقى المستوطن الإسرائيلي مترقباً خلف الجدار، وتظل القيادة السياسية في تل أبيب تحت ضغط المطالب الشعبية بوقف هذه المناورات فوراً. إنها لحظة اختبار حقيقية لقواعد الاشتباك والردع على حدود كانت تُوصف يوماً بأنها “الأكثر هدوءاً”.















