إسطنبول — دخلت الدولة التركية نفق واحدة من أعقد أزماتها السياسية وأكثرها حساسية منذ سنوات؛ إثر صدور حكم قضائي غير مسبوق يقضي بإلغاء نتائج مؤتمر “حزب الشعب الجمهوري” (CHP) المنعقد عام 2023. الحكم أطاح بالزعيم الحالي لأكبر أحزاب المعارضة، “أوزغور أوزيل”، ليعيد السيطرة للرئيس السابق “كمال كيليتشدار أوغلو”، بالتزامن مع ملاحقات قضائية وأمنية عنيفة طالت الرموز الصاعدة للحزب، ما فجّر موجة غضب وتساؤلات حول مستقبله السياسي.
“انقلاب قضائي” واقتحام للمقر الرئيسي
جاء قرار المحكمة مستنداً إلى مزاعم بوجود تلاعب في أصوات المؤتمر العام الذي أطاح بكيليتشدار أوغلو عام 2023 لصالح أوزيل (المدعوم من رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو). وبموجب هذا الحكم:
تم عزل القيادة الحالية للحزب واعتبارها باطلة.
أُعيد كيليتشدار أوغلو وفريقه القديم لإدارة شؤون الحزب الذي تأسس عام 1923 على يد مصطفى كمال أتاتورك.
ولم تتوقف الأزمة عند أعتاب المحاكم، بل تصاعدت دراماتيكياً إثر اقتحام قوات مكافحة الشغب التركية المقر الرئيسي للحزب في أنقرة مستخدمة الغاز المسيل للدموع لإخلاء المبنى بالقوة، مما دفع أوزيل لقيادة مسيرة نحو البرلمان معلناً إياه “المقر المؤقت للمعركة ضد الاحتلال القضائي”.
تصفية الرموز: قضية “إمام أوغلو” الكبرى
تأتي هذه الإطاحة القضائية كحلقة جديدة في سلسلة تضييق بدأت منذ أشهر وتستهدف تفكيك مراكز القوى داخل المعارضة، وأبرز محطاتها:
أكرم إمام أوغلو: يواجه رئيس بلدية إسطنبول والمنافس الأخطر لأردوغان في استطلاعات الرأي تهمًا ثقيلة تشمل الفساد، غسل الأموال، التجسس، والإرهاب. وفي حال إدانته، يواجه حكماً خيالياً بالسجن قد يصل إلى 2352 عاماً، فضلاً عن إلغاء شهادته الجامعية لجرده من أهليته القانونية للترشح.
أحمد أوزر: رئيس بلدية إسنيورت الذي سُجن سابقاً بتهمة الارتباط بجهات محظورة قبل الإفراج المعلق عنه.
وفيما وصف إمام أوغلو الحكم بأنه “انقلاب لتدمير النظام الدستوري”، دافع وزير العدل المعين حديثاً “أكين غورليك” (المدعي العام السابق في قضايا إمام أوغلو) عن الحكم، معتبراً إياه آلية لتصحيح الديمقراطية.
ارتدادات عنيفة تهز الأسواق والاقتصاد
لم تكن الأسواق المالية بمعزل عن الصدمة السياسية، حيث تسببت القرارات الأخيرة بـ:
هبوط حاد في بورصة إسطنبول بنسبة 6%، أدى لتفعيل آلية الوقف التلقائي للتداول.
استنزاف بنوك الدولة لأكثر من 8 مليارات دولار لدعم الليرة المتهاوية (يضاف إلى 57 مليار دولار ضخها البنك المركزي سابقاً).
ارتفاع التضخم السنوي لـ 32.37%، مدفوعاً بضغوط إقليمية حادة جراء الحرب مع إيران والإغلاق الشبه كاملي لمضيق هرمز الذي يهدد إمدادات الطاقة التركية.
لغز 2028: هل يمهد أردوغان لانتخابات مبكرة؟
يقترب الرئيس رجب طيب أردوغان (72 عاماً) من السقف الدستوري لولاياته الرئاسية بعد 23 عاماً في السلطة. ووفقاً للمادة 116 من الدستور، لا يحق له الترشح مجدداً في 2028 إلا في حالة واحدة: أن يدعو البرلمان لانتخابات مبكرة بأغلبية 360 صوتاً.
ولأن التحالف الحاكم يمتلك 325 مقعداً فقط، يرى مراقبون أن خطة أردوغان قد تعتمد على:
تفكيك المعارضة: إغراق حزب الشعب الجمهوري في صراع داخلي مرير بين جناحي أوزيل وكيليتشدار أوغلو (الذي اتهم الحزب بالتلوث بالفساد فور عودته).
خطب ود الأكراد: السعي لاستمالة نواب “حزب المساواة والديمقراطية للشعوب” المؤيد للأكراد (56 مقعداً) مستغلاً ملف عملية السلام.
ورغم الانتقادات الأوروبية الحذرة، فإن الصمت الأمريكي من إدارة ترامب والحاجة الاستراتيجية لحلف الناتو ودول الخليج لتركيا في ظل الصراع مع إيران، يمنح أنقرة غطاءً دولياً للمضي قدماً في سياساتها الداخلية.
خلاصة التحليل
يعيش أردوغان اليوم وضعاً سياسياً هو الأكثر هشاشة منذ محاولة انقلاب 2016، في ظل استطلاعات محلية تظهر عجز 44% من المواطنين عن تلبية احتياجاتهم الأساسية وغضب 72% من إدارة الاقتصاد. غير أن قراءة التاريخ السياسي التركي تؤكد أن ضعف النظام الرئاسي المفرط—والذي تبدّت شروخه بوضوح في بطء إدارة كارثة زلزال 2023—لا يدفعه نحو الاعتدال، بل نحو خوض “معركة أخيرة” وأكثر شراسة لترتيب المشهد السياسي بما يضمن بقاءه في السلطة.
















