تشهد تركيا منذ بداية شهر رمضان 2026 سجالًا سياسيًا وثقافيًا محتدمًا على خلفية التعميم الذي أصدرته وزارة التعليم الوطني في 12 فبراير 2026، تحت عنوان “رمضان في قلب التعليم”، الموجه إلى مديريات التربية في جميع الولايات التركية الـ81، والذي دعا إلى تنظيم أنشطة مدرسية بمناسبة الشهر الفضيل.
دعم رسمي واسع ورفض من المثقفين
حظي القرار بدعم مباشر من الرئيس رجب طيب أردوغان وقيادات التحالف الحاكم، فيما أثار اعتراضات واسعة من عدد من الأكاديميين والفنانين والكتاب العلمانيين، الذين أصدروا بيانًا بعنوان “ندافع عن العلمانية معا”، معتبرين أن القرار يمثل محاولة لإقحام الدين في التعليم الرسمي.
مضمون التعميم وأهدافه
أكد وزير التعليم يوسف تكين أن التعميم يأتي في إطار “نموذج التعليم في القرن التركي”، الذي يهدف إلى إعادة صياغة المناهج بما يتوافق مع ما تصفه الحكومة بـ”القيم الوطنية”.
وأوضح تكين أن الأنشطة تتضمن:
برامج حوارية حول القيم الروحية.
إقامة موائد إفطار لتعزيز التعاون بين المدرسة والأسرة.
أنشطة تعليمية خارج الصف تركز على العدالة، الرحمة، الوحدة، الوطنية، وروح المشاركة.
وشدد الوزير على أن المشاركة ستكون تطوعية بالكامل، وأن التعميم يستند إلى مواد دستورية تضمن حق المواطنين في تطوير وجودهم الروحي.
المعارضة: “الدفاع عن العلمانية ليس جريمة”
البيان الصادر عن 168 كاتبًا وفنانًا وأكاديميًا وصف ما يجري بأنه “توجه نحو إقحام الدين في المجال التعليمي”، محذرًا من تهديد أسس الجمهورية العلمانية.
وجاء في نص البيان: “النظام الإسلامي السياسي يدفع تركيا خطوة خطوة نحو مستنقع الشرق الأوسط الرجعي”، معتبرين أن الضغوط الدينية في المجال العام تشكل تهديدًا للدولة العلمانية.
ردة فعل أردوغان: “لا يزعجهم الهالوين، بل رمضان!”
رد الرئيس أردوغان خلال اجتماع الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية قائلًا إن المشكلة ليست في العلمانية، بل في موقف الموقعين من القيم الدينية للمجتمع.
وأضاف: “لا ينزعجون عندما يتم تزيين عيد الميلاد، ولا عندما يُحتفى بالهالوين، لكنهم ينزعجون عندما يتعلم أطفالنا الصلاة والصيام”.
إجراءات قانونية ومواقف التحالف
في اليوم نفسه، أعلن وزير التعليم رفع دعوى قضائية ضد الموقعين على البيان، معتبرًا أن ما ورد فيه إساءة وتشهير بحق المجتمع.
كما أعرب دولت بهتشلي، زعيم حزب الحركة القومية، عن دعمه للتعميم واصفًا إثارة الجدل حوله بأنها “ردود فعل قديمة”.
انقسام في الرأي العام
تزامن الجدل مع انتشار أنشودة دينية صوفية في المدارس، الأمر الذي اعتبره المؤيدون تعبيرًا عن الهوية الدينية للمجتمع، فيما رأى المعارضون أن ذلك يطرح تساؤلات حول حياد المجال التعليمي.
الجذور التاريخية للنقاش
يُعيد هذا الجدل النقاش التاريخي حول العلمانية في التعليم التركي منذ قانون “توحيد التدريس” عام 1924، الذي ألغى المدارس الدينية التقليدية وأسست نهجًا علمانيًا صارمًا، ما يظهر أن التوازن بين الهوية الدينية للمجتمع والطابع العلماني للدولة لا يزال موضوعًا حساسًا حتى اليوم.
المدارس التركية: ساحة الصراع الرمزي
بينما تؤكد الحكومة أن فعاليات رمضان تطوعية ووفق الدستور، يرى المعارضون أن المسار الحالي يعكس تحولًا تدريجيًا في طبيعة المجال العام والتعليم الرسمي.
وتواصل القضية طريقها إلى القضاء، وسط تصاعد التصريحات المتبادلة بين المسؤولين والمثقفين، مما يجعل المدارس هذا العام ساحة جديدة لصراع رمزي واسع حول العلمانية والدين في مؤسسات الدولة.
















