منوعات
فرصة جديدة للعودة.. كيف استقبل السوريون قرار الإعفاء من الغرامات في مصر؟
في خطوة وصفت بأنها استثنائية، أعلنت الحكومة المصرية مع بداية العام الجاري عن إعفاء السوريين المقيمين على أراضيها من الغرامات المتراكمة بسبب تأخيرهم في تجديد إقامتهم أو عدم حصولهم على إقامة، مع منح السوريين الحاصلين على بطاقة اللجوء الصفراء- دون إقامة- الحق في المغادرة إلى سوريا من دون الحاجة إلى إغلاق ملف اللجوء لديهم.
يقف هذا القرار عند مفترق مهم بين سياسات الإقامة واللجوء في مصر، وبين رغبة آلاف السوريين في العودة إلى بلادهم بعد سنوات من النزوح والاغتراب.
تفاصيل القرار: ثلاث أشهر وإعفاء كامل
منذ عامين، واجه السوريون المقيمون في مصر تعقيدات قانونية وإدارية تتعلق بمسألة الإقامة، من شروط تجديد معقدة، إلى رسوم مرتفعة تشمل الغرامات عند التأخر عن الجديد وأحيانا دفع مبالغ إضافية عبر وسطاء لتسريع الإجراءات.
هذه الظروف جعلت أعدادا من السوريين يعيشون في أوضاع غير نظامية بعد انتهاء مدة إقامتهم مما أدى إلى تراكم الغرامات عليهم عبر السنوات.
وفق ما أعلنته مصادر إعلامية وصفحات رسمية، فإن الحكومة المصرية سمحت للسوريين الذين تراكمت عليهم غرامات التأخير بمغادرة البلاد عبر فترة سماح تمتد إلى ثلاثة أشهر، دون أن تطالبهم بسداد تلك الغرامات عند المغادرة.
وتعتبر هذه الخطوة الثانية من نوعها، حيث منحت الحكومة المصرية إعفاء للسوريين لمدة ثلاثة أشهر في العام الماضي سمح لآلاف السوريين بالعودة من دون دفع تكاليف باهظة، ولكن كان ما يزال هناك آلاف الأسر لم تمنح الوقت الكافي لترتيب أوضاعها قبل العودة.
كما تم التأكيد على أن حاملي البطاقة الصفراء يمكنهم السفر من دون الحاجة إلى إغلاق ملفاتهم، وهو ما كان يعتبر إجراء روتيني طويل تصل مواعيده إلى أشهر، ولكن بشرط عدم حصولهم على إقامة لجوء على البطاقة. هذه الخطوة في مجملها تعد تخفيفا استثنائيا للأعباء المالية والإدارية عن السوريين الذين كانوا ينون العودة إلى سوريا لكن كانت الغرامات والتعقيدات تمنعهم من اتخاذ هذه الخطوة.
يقول محمد خالد، سوري مقيم في القاهرة، كنت أريد العودة بعد سقوط النظام، وحاولت أن أرتب أموري قبل انتهاء فترة الإعفاء الماضية، لكن لم يحالفني الحظ؛ واليوم لدي فرصة للعودة مع عائلتي، حيث إن الغرامات المتراكمة علينا كانت تصل إلى آلاف الدولارات.
قرار في توقيت حساس
يأتي هذا القرار في توقيت بالغ الحساسية، حيث تشهد الساحة السورية تغيرات متسارعة، وتزايد الحديث داخل أوساط اللاجئين عن العودة، سواء كانت عودة دائمة أو تجريبية، لكن الرغبة وحدها لم تكن تكفي، إذ اصطدمت غالبا بعوائق قانونية ومالية في دول اللجوء.
يقول مازن الحربي، سوري مقيم في القاهرة، كنت أشعر أني محاصر، بالكاد نستطيع تأمين تكاليف السفر، كان من المستحيل أن أقدر على دفع الغرامات الكبيرة، اليوم مصر تمنحني وعائلتي فرصة للعودة إلى بلادنا.
لا يقتصر تأثير القرار على الجانب القانوني فقط، بل يمتد إلى البعد الاقتصادي والاجتماعي، فكثير من العائلات السورية كانت مضطرة لتأجيل العودة بسبب الغرامات، ما يعني الاستمرار في دفع إيجارات مرتفعة وتكاليف معيشة صعبة، مقابل دخل غير ثابت.
توضح راما الفلا، وهي أرملة سورية تقيم في المنصورة، أنها كانت تجمع المال لدفع الإيجار والأكل، وتضيف في حديثها لموقع تلفزيون سوريا: “فكرة دفع غرامات بمبالغ كبيرة كانت مستحيلة، الآن استطيع العودة والبدء من جديد، حتى لو كان الوضع في سوريا صعبا على الأقل أكون بقرب عائلتي”.
تسهيل إداري أم رسالة سياسية؟
يرى بعض المختصين بشأن اللجوء، والذين تحدث إليهم موقع تلفزيون سوريا، أن القرار يحمل بعدا إداريا يهدف إلى تنظيم أوضاع الأجانب، لكنه في الوقت نفسه رسالة هادئة تعكس رغبة مصر في إدارة ملف اللاجئين بطريقة أقل تصعيدا، وأكثر مرونة، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية الداخلية.
كما يمنح هذا القرار السوريين المقيمين بشكل نظامي في مصر نوعا من الراحة النفسية خصوصا بعد التعاون بين الحكومة السورية والمصرية في مجال الطاقة والغاز، ويعتبر رسالة إلى إقامة علاقات جديدة بين البلدين.
يقول أحمد خير الله، سوري مختص بشؤون اللاجئين، أنّ القرار لا يجبر أحدا على العودة، لكنه يزيل عائقا كان يمنعها، وهذا فارق قانوني مهم، لأنه يضع الخيار بيد اللاجئ نفسه.
بين العودة والبقاء : قرار شخصي معقد
في النهاية، لا يعني القرار أن السوريين سيغادرون مصر جماعيا، فخيار العودة ما يزال معقدا ومحكوما بعوامل كثيرة، منها الوضع الأمني والاقتصادي في سوريا، ووجود فرص عمل، وارتباط الأبناء بالتعليم.
لكن المؤكد أن القرار أعاد للآلاف حق الاختيار، بعد أن كانوا عالقين بسبب الغرامات والإجراءات.
يقول مرعي الحسن، وهو لاجئ خمسيني عاش في مصر عشر سنوات، “القرار أعاد لنا كرامتنا، لم نعد نشعر أننا محتجزون بسبب ورقة أو غرامة، بل لنا حرية الاختيار، وهو ما كنا نرجوه من مصر التي استضافتنا لسنوات طويلة”.
