أنهت الأجهزة الأمنية التركية مطاردة استمرت نحو عقد من الزمن، بعد إلقاء القبض على بوركاي قره تبه، آخر الفارين من الفريق العسكري المتهم بمحاولة اغتيال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال أحداث ليلة 15 يوليو/تموز 2016.
وجاء اعتقال قره تبه بعد عملية استخباراتية اعتمدت بصورة كبيرة على تقنيات التعرف على الوجوه وتحليل تسجيلات كاميرات المراقبة، بعدما تمكن المطلوب من الاختفاء لسنوات وتغيير مظهره واستخدام هويات ووثائق مزورة لتضليل السلطات.
وأُلقي القبض عليه في 1 أغسطس/آب 2026 خلال عملية أمنية في ولاية أفيون قره حصار وسط تركيا، قبل نقله إلى ولاية موغلا، حيث قررت المحكمة في 5 أغسطس/آب حبسه على ذمة التحقيق.
وكان قره تبه، وهو نقيب سابق وطيار مروحية مفصول من القوات المسلحة التركية، مدرجاً على قائمة المطلوبين في الفئة الحمراء، كما صدرت بحقه نشرة حمراء.
البداية كانت بصورة التقطتها كاميرا
بدأت خيوط القضية الجديدة في مارس/آذار الماضي، عندما التقطت إحدى كاميرات المراقبة في منطقة أنيت بارك وسط أفيون قره حصار صورة لشخص أثار شكوك الأجهزة الأمنية.
وبعد إخضاع الصورة للتحليل عبر نظام التعرف على الوجوه التابع لجهاز الاستخبارات الوطنية التركية MİT، ظهرت مطابقة أولية مع بيانات قره تبه بلغت نحو 77%.
ورغم أن النسبة لم تكن كافية وحدها لتنفيذ عملية الاعتقال، فإنها شكلت نقطة البداية لمراقبة المشتبه به والتحقق من هويته وتحركاته.
وخلال الأشهر التالية، ظهر الشخص نفسه أمام كاميرات المراقبة في مناطق مختلفة من المدينة نحو 14 مرة، فيما تراوحت نسب التطابق التي سجلتها أنظمة التحليل بين 65 و83%.
حاول تغيير ملامحه وإخفاء هويته
بحسب التفاصيل التي أوردتها السلطات التركية، حاول قره تبه اتخاذ مجموعة من الإجراءات لتجنب اكتشافه، من بينها تغيير تسريحة شعره وشكل لحيته، واستخدام القبعات وأغطية الرأس لإخفاء ملامحه.
كما استخدم، وفق التحقيقات، هويات مزيفة وخطوط هواتف مسجلة بأسماء أشخاص آخرين، في محاولة لقطع أي صلة بينه وبين هويته الحقيقية.
لكن تكرار ظهوره أمام كاميرات المراقبة أتاح للأجهزة الأمنية مقارنة الصور وتحليلها وربطها ببعضها، الأمر الذي ساعد في بناء صورة أوضح عن تحركاته.
ولم تعتمد عملية التعقب على الصور وحدها، إذ واصلت الأجهزة المختصة التحقيق في العناوين والأماكن التي يُشتبه في ارتباطها بالمطلوب، إلى جانب مراقبة تحركات الأشخاص والمواقع التي يُعتقد أنها ساعدته على الاختباء.
مراقبة استمرت أشهراً قبل تنفيذ العملية
بعد تحديد مسارات تحرك قره تبه، بدأت الأجهزة الأمنية بمراقبة عدد من المنازل التي يُشتبه في استخدامها لإخفائه.
وأظهرت التحقيقات انتقاله بين أكثر من عنوان، قبل أن يستقر في منزل ثالث، حيث قررت الأجهزة الأمنية تنفيذ العملية بعد التأكد من وجوده في المكان.
وفي ليلة 1 أغسطس/آب، تمكنت فرق الاستخبارات ومكافحة الإرهاب من مداهمة المنزل وإلقاء القبض عليه، لتنتهي بذلك سنوات طويلة من الاختباء والملاحقة.
ماذا حدث ليلة محاولة اغتيال أردوغان؟
تعود القضية إلى ليلة محاولة الانقلاب في تركيا في 15 يوليو/تموز 2016، عندما توجه فريق من العسكريين إلى الفندق الذي كان يقيم فيه أردوغان في مدينة مرمريس بولاية موغلا.
وكان الهدف، وفق التحقيقات والأحكام القضائية التركية، هو الوصول إلى الرئيس التركي واغتياله، إلا أن أردوغان كان قد غادر الفندق قبل وصول المجموعة.
وشهد محيط الفندق اشتباكات أسفرت عن مقتل شرطيين، فيما فر أفراد المجموعة بعد ذلك إلى المناطق الحرجية المحيطة.
وكان الفريق الذي توجه إلى الفندق يضم 37 عسكرياً، وتمكنت السلطات التركية لاحقاً من القبض على 36 منهم، بينما ظل قره تبه الهارب الوحيد لسنوات.
رحلة هروب بدأت من مرمريس
تشير التحقيقات إلى أن قره تبه تمكن من مغادرة مرمريس صباح 16 يوليو/تموز 2016 متنكراً، قبل أن ينتقل عبر عدة مدن، من بينها إزمير وإسكي شهير، ثم يختفي عن أنظار السلطات لفترة طويلة.
وخلال سنوات فراره، تمكن من تغيير مظهره والاعتماد على هويات ووسائل اتصال مختلفة، ما جعل الوصول إليه أكثر صعوبة.
لكن ظهور صورته أمام إحدى كاميرات المراقبة بعد سنوات أعاد فتح مسار التحقيق، لتنطلق عملية استخباراتية استمرت عدة أشهر وانتهت بالقبض عليه.
التحقيقات مستمرة بعد الاعتقال
ولا تقتصر أهمية اعتقال قره تبه على إنهاء ملف آخر الفارين من الفريق المتهم بمحاولة اغتيال أردوغان، إذ تواصل السلطات التركية التحقيق في الفترة التي قضاها مختبئاً، والأشخاص الذين ساعدوه على تأمين أماكن الإقامة والاحتياجات الأساسية خلال سنوات فراره.
كما يُنتظر أن تكشف التحقيقات مزيداً من التفاصيل حول شبكة المساعدة التي مكّنته من البقاء بعيداً عن أنظار الأجهزة الأمنية طوال هذه الفترة.
التكنولوجيا تحسم مطاردة استمرت عقداً
وتسلط العملية الضوء على الدور المتزايد للتكنولوجيا في عمل الأجهزة الأمنية التركية، خصوصاً في تحليل الصور والتعرف على الوجوه وربط تسجيلات كاميرات المراقبة.
فبعد سنوات من نجاح المطلوب في تغيير ملامحه واستخدام هويات مختلفة، كانت صورة التقطتها كاميرا في أحد شوارع أفيون قره حصار نقطة التحول التي أعادت اسمه إلى قوائم الاشتباه.
وبينما لم تكن صورة واحدة كافية لإنهاء المطاردة، فإن تكرار ظهور الشخص نفسه أمام الكاميرات وارتفاع نسب التطابق، إلى جانب عمليات المتابعة والتحقيق الميداني، سمحت للأجهزة التركية بتحديد مكانه وتنفيذ عملية الاعتقال.
وبذلك، أغلقت السلطات التركية واحداً من أبرز ملفات الهاربين المرتبطين بمحاولة اغتيال أردوغان عام 2016، بعد نحو 10 سنوات من المطاردة والاختفاء.

















