مع اقتراب تركيا من محطة سياسية مفصلية في 2028، بدأت الأنظار تتجه بشكل متزايد إلى سؤال المرحلة المقبلة: من سيقود البلاد بعد رجب طيب أردوغان؟
فبعد أكثر من عقدين في قمة السلطة التركية، يبدو أن النقاش حول مستقبل النظام لم يعد مرتبطاً فقط بقدرة أردوغان على الاستمرار في الحكم، وإنما بات يشمل أيضاً كيفية إدارة مرحلة ما بعده، ومن سيكون قادراً على الحفاظ على نفوذ حزب العدالة والتنمية واستمرار النهج السياسي الذي أسسه الرئيس التركي.
وبحسب قراءة تحليلية للمشهد، فإن دائرة الأسماء المحتملة لا تقتصر على شخصية واحدة، بل تمتد بين رجال الدولة والتكنوقراط المقربين من أردوغان، وأفراد عائلته وأصهاره، مع بروز ثلاثة أسماء بشكل خاص: هاكان فيدان، وسلجوق بيرقدار، وبلال أردوغان.
عائلة أردوغان.. نفوذ يتجاوز المناصب الرسمية
تحتل عائلة أردوغان موقعاً مهماً في معادلة ما بعد الرئيس، رغم اختلاف أدوار أفرادها ومستوى حضورهم السياسي المباشر.
وتبرز أمينة أردوغان باعتبارها شخصية مؤثرة في الصورة العامة للرئيس التركي، إلى جانب حضورها في الملفات الاجتماعية والإنسانية والقضايا المرتبطة بالعالم الإسلامي.
أما على مستوى الأصهار، فيبرز برات ألبيرق، وزير المالية والطاقة السابق، الذي ابتعد عن الواجهة السياسية المباشرة خلال السنوات الماضية، لكنه لا يزال يُنظر إليه باعتباره صاحب علاقات ونفوذ داخل دوائر المال والإعلام والأعمال المرتبطة بالعائلة.
في المقابل، أصبح سلجوق بيرقدار أحد أكثر الأسماء لفتاً للانتباه. فبفضل نجاحاته في مجال الصناعات الدفاعية والطائرات المسيّرة، بات يتمتع بصورة تتجاوز الإطار الحزبي التقليدي، ويُنظر إليه باعتباره أحد أبرز وجوه تركيا التكنولوجية والدفاعية الحديثة.
أما بلال أردوغان، نجل الرئيس، فلا يشغل منصباً رسمياً في الدولة، لكنه يحافظ على حضور داخل الأوساط المحافظة والدينية والمنظمات المدنية، ما يجعله أحد الأسماء المرتبطة بمستقبل التيار السياسي والفكري الذي يمثله حزب العدالة والتنمية.
رجال الدولة.. من يملك مفاتيح المرحلة المقبلة؟
بالتوازي مع النفوذ العائلي، بنى أردوغان خلال السنوات الماضية دائرة من المسؤولين ذوي الخبرة، ممن لعبوا أدواراً أساسية في إدارة الملفات الأمنية والدبلوماسية والاقتصادية.
ويأتي هاكان فيدان في مقدمة هذه الشخصيات. فوزير الخارجية الحالي والرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الوطنية التركية يمتلك خبرة واسعة في الملفات الأمنية والدبلوماسية، إضافة إلى معرفته العميقة بمؤسسات الدولة، ما يجعله، وفق هذه القراءة، أحد أكثر الأسماء جاهزية لقيادة تركيا في مرحلة ما بعد أردوغان.
كما يبرز إبراهيم كالين، الرئيس الحالي لجهاز الاستخبارات الوطنية، والذي سبق أن عمل مستشاراً ومتحدثاً باسم أردوغان، ويتمتع بخبرة طويلة في السياسة الخارجية والأمن.
وفي الجانب الاقتصادي، يحتفظ محمد شيمشك بموقع مهم بصفته المسؤول عن السياسات الاقتصادية والمالية، بينما يمثل جودت يلماز أحد أبرز رجال الإدارة والاقتصاد داخل منظومة الحكم الحالية.
أزمة المعارضة تمنح أردوغان مساحة أوسع للمناورة
لا يمكن فصل الحديث عن مرحلة ما بعد أردوغان عن وضع المعارضة التركية.
فبعد انتخابات 2023، واجهت المعارضة تحديات وانقسامات متتالية، فيما دخل حزب الشعب الجمهوري في صراعات داخلية وأزمات سياسية وقانونية، كان من أبرزها الملف المرتبط برئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو.
وتشير القراءة المطروحة إلى أن ضعف المعارضة يمنح معسكر أردوغان فرصة أكبر لترتيب أوراقه الداخلية، خصوصاً في ظل نظام رئاسي مركزي جرى ترسيخه بعد التعديلات الدستورية.
وبذلك، لا تبدو معركة الخلافة، وفق هذا التحليل، مرتبطة فقط بمن يملك الشعبية الأكبر، وإنما بمن يستطيع الجمع بين أجهزة الدولة، والقاعدة الشعبية، والولاء السياسي، والحفاظ على إرث أردوغان.
2028.. ثلاث فرضيات لمستقبل الحكم
مع اقتراب عام 2028، تبرز ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل القيادة التركية.
السيناريو الأول: أردوغان يستمر في الحكم
الاحتمال الأول يتمثل في محاولة أردوغان الاستمرار في موقع الرئاسة، سواء عبر تقديم موعد الانتخابات أو من خلال ترتيبات سياسية ودستورية تسمح له بخوض السباق مجدداً، وهو سيناريو يبقى مرتبطاً بالتطورات السياسية والقانونية في تركيا.
السيناريو الثاني: اختيار خليفة من داخل منظومة الحكم
في هذا السيناريو، يمكن أن يتجه حزب العدالة والتنمية وحلفاؤه إلى اختيار شخصية تتمتع بالخبرة والقدرة على إدارة الدولة، ويبرز هنا اسم هاكان فيدان بوصفه أحد المرشحين الأكثر جاهزية وفق التحليل.
السيناريو الثالث: استمرار نفوذ أردوغان من خلف الكواليس
أما السيناريو الأكثر تعقيداً فيتمثل في انتقال أردوغان من القيادة التنفيذية المباشرة إلى دور أكثر تأثيراً من خلف الكواليس، مع بقاء منظومته السياسية والعائلية حاضرة في مفاصل الدولة.
وفي هذه الحالة قد تظهر صيغة قيادة مشتركة تجمع بين الخبرة التنفيذية لفيدان، والشعبية المتنامية لبيرقدار، والامتداد الأيديولوجي والحزبي لبلال أردوغان.
هاكان فيدان.. المرشح الأقرب إلى الدولة
في حال اتجهت تركيا إلى اختيار شخصية من داخل منظومة الحكم، فإن هاكان فيدان يبدو من أبرز الأسماء المطروحة في هذه القراءة.
فخبرته الطويلة في الاستخبارات والسياسة الخارجية تمنحه معرفة واسعة بمؤسسات الدولة والملفات الأمنية، إلى جانب علاقاته الإقليمية والدولية.
ويتيح له ذلك تقديم نفسه كشخصية قادرة على ضمان الاستقرار واستمرار السياسة الخارجية التركية، دون إحداث قطيعة حادة مع إرث أردوغان.
سلجوق بيرقدار.. ورقة الشباب والتكنولوجيا
في المقابل، يمثل سلجوق بيرقدار نموذجاً مختلفاً.
فهو لا يستند فقط إلى صلته العائلية بأردوغان، وإنما إلى صورته باعتباره أحد أبرز وجوه صناعة الدفاع التركية، الأمر الذي منحه حضوراً شعبياً لافتاً، خصوصاً لدى الأوساط التي ترى في الصناعات العسكرية والتكنولوجية رمزاً لاستقلال تركيا.
ولهذا السبب، قد يكون بيرقدار جزءاً أساسياً من أي تركيبة سياسية مستقبلية، سواء بوصفه مرشحاً للرئاسة أو شخصية تنفيذية ذات نفوذ واسع في ملفات التكنولوجيا والدفاع.
بلال أردوغان.. الحفاظ على الإرث السياسي
أما بلال أردوغان، فيرتبط دوره المحتمل بالجانب السياسي والفكري أكثر من الجانب التنفيذي.
فإذا كان فيدان يمثل مؤسسات الدولة والأمن والسياسة الخارجية، وبيرقدار يمثل التكنولوجيا والصناعات الدفاعية والشعبية الوطنية، فإن بلال يمكن أن يمثل القاعدة المحافظة والإرث السياسي والأيديولوجي لحزب العدالة والتنمية.
ومن هنا تبرز إمكانية أن يكون دوره في المرحلة المقبلة مرتبطاً بالحفاظ على تماسك القاعدة السياسية للحزب وضمان استمرار الخط الذي أسسه والده.
هل تكون الخلافة جماعية؟
السيناريو الأكثر إثارة للاهتمام لا يتمثل بالضرورة في صعود شخصية واحدة، وإنما في ظهور قيادة مشتركة تتوزع فيها الأدوار بين عدة مراكز قوة.
وبحسب هذه الرؤية، يمكن أن يتولى فيدان الجانب التنفيذي والأمني والدبلوماسي، بينما يلعب بيرقدار دوراً محورياً في التكنولوجيا والدفاع، في حين يحافظ بلال أردوغان على الصلة بالقاعدة المحافظة والحزب.
أما برات ألبيرق، فقد يبقى بعيداً عن الواجهة، مع استمرار تأثيره المحتمل في الملفات الاقتصادية والإعلامية وشبكات المصالح المرتبطة بالعائلة.
الخلاصة.. من يخلف أردوغان؟
حتى منتصف عام 2026، لا توجد مؤشرات رسمية تسمح بالجزم بأن أحد هذه الأسماء اختير لخلافة أردوغان، كما أن الحديث عن ترتيب محدد للسلطة يبقى في إطار التحليل والتكهنات السياسية.
لكن المعادلة المطروحة تكشف عن ثلاثة احتياجات رئيسية أمام معسكر الحكم: شخصية تتمتع بخبرة الدولة مثل هاكان فيدان، ووجه يحظى بشعبية وطنية وتكنولوجية مثل سلجوق بيرقدار، وشخصية تحافظ على الإرث السياسي والمحافظ مثل بلال أردوغان.
وبينما يبقى مستقبل أردوغان نفسه العامل الأكثر تأثيراً في تحديد شكل المرحلة المقبلة، فإن عام 2028 قد يكون محطة حاسمة لإعادة رسم خريطة السلطة التركية، سواء بقي أردوغان في المشهد، أو انتقلت القيادة إلى شخصية جديدة، أو ظهرت صيغة هجينة تضمن استمرار نفوذه السياسي بعد مغادرته الرئاسة
عن الكاتب: د. إيتان لاسري، خبير في الحوكمة والسياسة العامة الجيو-استراتيجية، مستشار سابق لرؤساء الحكومات، رجل أعمال وناشط، خبير في الشأن التركي ومحلل بارز في الأخبار.











