كشف مدير معبر رفح البري ومدير عام المعابر، إياد نصر، تفاصيل جديدة حول آلية العمل داخل المعبر وطريقة تنظيم سفر المرضى والجرحى من قطاع غزة، في ظل الترتيبات المرتبطة باتفاق الهدنة والتنسيق القائم بين الأطراف المعنية.
وأوضح نصر أن الواقع الحالي لمعبر رفح يختلف بصورة كبيرة عن صورته السابقة، مشيرًا إلى أن ظروف العمل الميداني صعبة للغاية، وأن المعبر بات يضم تجهيزات محدودة من حاويات وأسلاك شائكة، في ظل غياب المرافق المناسبة للمسافرين.
ورغم هذه الظروف، تواصل الطواقم الفلسطينية العمل بهدف تسهيل الإجلاء الطبي، الذي يمثل حاليًا الفئة الأساسية المسموح لها بالسفر من قطاع غزة.
من يسيطر على قرار السفر عبر معبر رفح؟
تكشف الآلية الحالية عن وجود عدة أطراف تشارك في عملية تنظيم حركة المسافرين، لكل منها دور مختلف في مراحل السفر والموافقة.
وبحسب نصر، تعمل السلطة الوطنية الفلسطينية داخل المعبر باعتبارها الجهة المشغلة، من خلال الوزارات والأجهزة المدنية والأمنية والهلال الأحمر الفلسطيني.
أما مصر فتؤدي دورًا أساسيًا باعتبارها الطرف المقابل للمعبر، والمسؤولة عن استقبال المرضى والجرحى القادمين إلى أراضيها.
في المقابل، يحتفظ الجانب الإسرائيلي بدور أمني في عملية الموافقة على قوائم المسافرين، باعتباره طرفًا مشاركًا في الترتيبات الحالية المرتبطة بالهدنة.
وبذلك، لا تبدو عملية السفر قرارًا يصدر عن جهة واحدة، بل تمر عبر سلسلة من الإجراءات الطبية والأمنية والتنسيقية بين عدة أطراف.
كيف يتم اختيار أسماء الجرحى والمرضى؟
أوضح مدير المعبر أن السلطة الفلسطينية لا تقوم، بحسب الآلية المعلنة، بإضافة أو حذف أسماء من قوائم المسافرين.
وتبدأ العملية من وزارة الصحة في غزة، حيث تستقبل طلبات التحويلات الطبية وتعمل لجنة التحويلات الطبية على تحديد الحالات التي تحتاج إلى العلاج خارج القطاع.
بعد ذلك، تُرسل القوائم إلى منظمة الصحة العالمية، التي تتولى تحويلها إلى السلطة الفلسطينية باعتبارها نقطة اتصال مركزية.
وتقوم السلطة الفلسطينية بعد ذلك بإرسال القوائم إلى الجانب المصري للحصول على موافقات الدخول، وإلى الجانب الإسرائيلي للحصول على الموافقات الأمنية.
وعند وصول الردود، تتم إعادة القوائم إلى منظمة الصحة العالمية دون إجراء تعديلات عليها، وفق الرواية التي قدمها نصر.
منظمة الصحة العالمية.. حلقة الوصل بين الأطراف
يبرز في هذه العملية الدور الذي تؤديه منظمة الصحة العالمية باعتبارها حلقة وصل دولية في ملف الإجلاء الطبي.
فالمنظمة لا تختار المرضى من البداية، وإنما تتعامل مع القوائم الطبية التي تصل إليها، ثم تنقلها بين الجهات المختلفة ضمن آلية التنسيق.
ويعكس ذلك طبيعة الملفات الإنسانية في مناطق النزاع، حيث تصبح المنظمات الدولية أحيانًا طرفًا أساسيًا في تسهيل التواصل بين جهات سياسية وأمنية مختلفة.
لماذا تحتاج القوائم إلى موافقة إسرائيلية؟
بحسب مدير المعبر، فإن الجانب الإسرائيلي لا يوجد داخل المعبر، لكنه يحتفظ بدور يتعلق بالموافقة الأمنية على قوائم المسافرين.
وتأتي هذه الإجراءات في ظل الوضع الميداني والأمني المحيط بمعبر رفح، ما يجعل عملية الوصول إليه والخروج منه مرتبطة بتنسيق أمني بين الأطراف.
وهنا يتحول السفر من إجراء مدني عادي إلى عملية متعددة المستويات، تجمع بين القرار الطبي والموافقة الأمنية والتنسيق الحدودي.
شكاوى من المحسوبيات وشبكات التنسيق
وردًا على ما يتم تداوله عبر وسائل التواصل الاجتماعي بشأن وجود محسوبيات أو إمكانية إضافة أسماء إلى قوائم السفر، نفى نصر امتلاكه القدرة على التدخل في هذه العملية.
واستدل على ذلك بعدم تمكنه من إخراج حالات من أقاربه ومعارفه، رغم حاجتها الإنسانية والطبية، مؤكدًا أنه يتلقى أعدادًا كبيرة من رسائل المواطنين الذين يطلبون المساعدة في السفر.
وتكشف هذه الشكاوى عن حجم الضغط الذي يواجهه سكان غزة، في ظل محدودية أعداد المسافرين مقارنة بحجم الاحتياجات الطبية والإنسانية.
أموال مقابل التنسيق.. ملف غامض يحتاج إلى تحقيق
ومن أكثر الملفات حساسية ما يتعلق بالحديث عن وجود شبكات تنسيق غير رسمية تحصل على أموال مقابل تسهيل السفر.
وقال نصر إن طواقم المعبر حاولت الاستفسار من بعض المسافرين حول هذه القضية، وإن هناك معلومات عن دفع مبالغ مالية لشبكات تعمل خارج الإطار الرسمي.
لكنه أشار إلى عدم وضوح الجهات التي تقف وراء هذه الشبكات أو قنوات دفع الأموال، إضافة إلى رفض بعض المسافرين الكشف عن تفاصيلها.
وتبقى هذه المعلومات بحاجة إلى تحقيقات مستقلة وأدلة موثقة لتحديد طبيعة هذه الشبكات والجهات المستفيدة منها.
معبر رفح بين الإجلاء الطبي ومخاوف التهجير
سياسيًا، تبدو قضية التهجير حاضرة بقوة في النقاش حول مستقبل معبر رفح.
وأكد نصر أن الجانب الفلسطيني يطالب بتوسيع الفئات المسموح لها بالسفر لتشمل الطلبة والحالات الإنسانية والاجتماعية، لكنه يرفض أن يتحول توسيع الحركة إلى وسيلة لإخراج الفلسطينيين من قطاع غزة دون ضمان عودتهم.
وأشار إلى أن طرحًا إسرائيليًا سابقًا تضمن السماح بخروج 150 شخصًا يوميًا مقابل عودة 50 فقط، وهو ما قال إنه قوبل بالرفض.
وبحسب التصريحات، تمسك الجانب المصري بمبدأ التساوي بين أعداد المغادرين والعائدين، في محاولة لمنع تحول المعبر إلى مسار أحادي الاتجاه.
لماذا يمثل تساوي المغادرين والعائدين أهمية سياسية؟
لا تبدو مسألة أعداد المغادرين والعائدين مجرد تفصيل إداري، بل تحمل دلالة سياسية كبيرة.
فالسماح بخروج أعداد كبيرة بصورة مستمرة مع عودة أعداد محدودة قد يؤدي تدريجيًا إلى تغيير الواقع السكاني في قطاع غزة، خصوصًا في ظل الظروف الإنسانية الصعبة.
أما ربط المغادرة بالعودة، فيعني الحفاظ على مبدأ أن الإجلاء الطبي أو الإنساني إجراء مؤقت وليس عملية تهجير دائمة.
ولهذا أصبحت آلية فتح المعبر وأعداد المسافرين واحدة من القضايا الحساسة في أي ترتيبات تتعلق بمستقبل قطاع غزة.
موظفو المعبر يعملون في ظروف استثنائية
وأشار نصر إلى أن الجانب الإسرائيلي يمنع وجود عدد كبير من العمال المدنيين داخل المعبر، الأمر الذي دفع مسؤولين ومديرين وموظفين فلسطينيين إلى القيام بأعمال ميدانية شاقة، من بينها حمل الحقائب ونقل المرضى ومساعدة ذوي الإعاقة.
وقال إن هذه الظروف أدت إلى تعرض عدد من الموظفين لإصابات استدعت نقلهم إلى المستشفى، في ظل استمرار العمل في بيئة ميدانية صعبة.
وتكشف هذه التفاصيل عن حجم التحديات التي تواجه المؤسسات المدنية الفلسطينية في إدارة المعبر في ظل الظروف الاستثنائية الحالية.
أطفال فقدوا والديهم ضمن الحالات الإنسانية
ولا يقتصر العمل على نقل المرضى والجرحى، إذ تحدث نصر أيضًا عن حالات الأطفال القاصرين الذين فقدوا آباءهم أو أمهاتهم.
وبحسب التصريحات، يجري التنسيق بين السلطة الفلسطينية وسفارة فلسطين في القاهرة لنقل هؤلاء الأطفال، قبل تسليمهم إلى الجهات الدولية المختصة، ومن بينها اليونيسيف، لاستكمال إجراءات تسليمهم إلى ذويهم داخل قطاع غزة.
ويمثل هذا الملف جانبًا آخر من الأدوار الإنسانية التي فرضتها الحرب على الجهات العاملة في ملف معبر رفح.
مستقبل معبر رفح.. ملف يتجاوز الحدود
في ظل استمرار الترتيبات المؤقتة، يطالب الجانب الفلسطيني بزيادة أعداد المسافرين وتوسيع الفئات المسموح لها بالمغادرة، مع التأكيد على ضرورة ضمان العودة وعدم استخدام المعبر كوسيلة للتهجير.
ويبدو أن مستقبل معبر رفح سيبقى مرتبطًا بشكل مباشر بمسار الهدنة والترتيبات الأمنية والسياسية الخاصة بقطاع غزة.
فالتحكم في حركة الأشخاص عبر المعبر لا يتعلق فقط بالجانب الإنساني، وإنما يرتبط أيضًا بقضايا السيادة والأمن والتهجير ومستقبل السكان وترتيبات ما بعد الحرب.
الخلاصة
تكشف تفاصيل العمل في معبر رفح أن سفر الجرحى والمرضى من غزة يمر عبر شبكة معقدة من الإجراءات، تبدأ بالجهات الطبية في القطاع، ثم منظمة الصحة العالمية، فالسلطة الفلسطينية، وصولًا إلى الموافقات المصرية والإسرائيلية.
وفي الوقت نفسه، يظل السؤال الأكبر سياسيًا: هل سيبقى معبر رفح بوابة للإجلاء الإنساني والعودة، أم يتحول إلى أداة لإعادة تشكيل حركة السكان في قطاع غزة؟
وبينما تسعى الجهات الفلسطينية إلى توسيع حركة السفر، فإنها تؤكد في المقابل رفضها لأي ترتيبات تجعل الخروج من غزة طريقًا بلا عودة، في وقت يمثل فيه معبر رفح إحدى أهم نقاط التماس بين الملف الإنساني والصراع السياسي والجيوسياسي في المنطقة.









