أعادت مشاهد بدلات الحماية البيضاء وطواقم العزل الصحي على متن السفينة “هونديوس” إلى الأذهان ذكريات جائحة كورونا التي عصفت بالعالم قبل أكثر من خمس سنوات. السفينة التي انطلقت من الأرجنتين، تحولت إلى محط أنظار العالم بعد رحلة استمرت 41 يوماً، انتهت بإجلاء ركابها في هولندا عقب تسجيل وفيات وإصابات بفيروس “هانتا” الغامض.
الأتراك الخمسة.. تحت مجهر الرقابة
لم تكن تركيا بعيدة عن هذا المشهد؛ فقد أعلنت وزارة الصحة التركية عن إجلاء خمسة من مواطنيها كانوا على متن السفينة الموبوءة. ورغم أن نتائج اختباراتهم جاءت سلبية، إلا أن السلطات أبقتهم تحت الرقابة والمراقبة السريرية الدقيقة، في إجراء احترازي يعكس حجم القلق من الفيروس النادر الذي ينتقل عبر القوارض.
لماذا “هانتا” ليس “كوفيد-19″؟
في خضم التساؤلات حول احتمالية اندلاع جائحة جديدة، سارعت الأوساط الطبية التركية لطمأنة الجمهور. وتؤكد الدكتورة ميلتم تاشباكان، رئيسة جمعية اختصاصي الأمراض المعدية، أن “هانتا” لا يمتلك “مؤهلات الجائحة”؛ فالفيروس لا ينتقل عبر الهواء أو الرذاذ كـ “كوفيد-19″، بل يتطلب تماساً مباشراً مع فضلات أو غبار ملوث بمخلفات القوارض المصابة.
من جانبه، يوضح خبير الفيروسات سميح تارين أن متحور “أنديز” الذي رُصد على السفينة يمتلك قدرة “محدودة جداً” على الانتقال بين البشر في أمريكا الجنوبية، بينما المتحورات المنتشرة في أوروبا وآسيا تكتفي بالانتقال من الحيوان إلى الإنسان، مما يجعل فرصة تفشيه مجتمعياً ضئيلة للغاية.
الخطر القائم: فتكٌ يتجاوز الـ 60%
ورغم ضعف قدرته على الانتشار، إلا أن “هانتا” يحمل وجهاً مرعباً؛ فهو أشد فتكاً من كورونا بمراحل. ووفقاً لـ “تارين”، تتراوح معدلات الوفيات بسببه بين 20% و60%، وهي نسبة هائلة مقارنة بكورونا التي لم تتجاوز 1%. إلا أن الفيروس يفتقر لـ “الضغط الانتقائي” الذي يدفعه للتحور والانتشار السريع بين البشر، كونه يجد بيئته المثالية أصلاً داخل القوارض.
حجرٌ طويل وأعراضٌ متخفية
تشير الدكتورة سونغول أوزير إلى أن “هانتا” يتطلب نفساً طويلاً في التعامل الطبي؛ إذ تصل فترة حضانته إلى 8 أسابيع، وتبدأ أعراضه بإنهاك عضلي وحمى وصداع، قبل أن تهاجم الجهاز التنفسي بقسوة. وما يزيد من صعوبة المواجهة هو غياب أي لقاح فعال متاح للاستخدام العام حتى الآن.
تركيا وتاريخ الفيروس
تاريخياً، “هانتا” ليس غريباً تماماً على الجغرافيا التركية؛ حيث سُجلت حالات متقطعة منذ عام 1997، لا سيما في منطقة البحر الأسود، لكن الخبراء يؤكدون أن متحور “أنديز” الشرس القادم من الأمريكيتين لا يزال بعيداً عن الحدود التركية.
خلاصة الوقاية
يبقى الرهان الحقيقي في مواجهة هذا الخطر هو “النظافة والمكافحة”؛ فتهوية الأماكن المغلقة، ومحاربة القوارض في المزارع والمستودعات، وتجنب المخالطة المباشرة في السفر الدولي، هي الأسلحة الوحيدة المتاحة حالياً لضمان عدم تحول “هونديوس” من مجرد سفينة موبوءة إلى فتيل لأزمة صحية أوسع.











