عادت قضية تقييد بيع وتقديم المشروبات الكحولية في العاصمة السورية دمشق لتتصدر الواجهة مجدداً، ولكن هذه المرة من بوابة التوضيح والاعتذار الحكومي، بعد موجة عارمة من الجدل الشعبي والاستياء العام التي رافقت صدور القرار قبل أيام.
اعتذار لأهالي باب توما والقصاع وباب شرقي
في بيان رسمي صدر يوم السبت، قدمت محافظة دمشق اعتذاراً مباشراً لأهالي أحياء باب توما، والقصاع، وباب شرقي (وهي أحياء دمشقية عريقة ذات أغلبية مسيحية)، عما وُصف بـ “سوء الفهم” الذي رافق تداول القرار وتفسيره في غير موضعه.
وأكدت المحافظة أن هذه الأحياء التاريخية تمثل جزءاً حيوياً من قلب العاصمة النابض، معلنة أنها ستعيد النظر في البنود الخاصة بهذه المناطق الثلاث بما يضمن عدم الإساءة لأي مكون من مكونات النسيج السوري الاجتماعي.
توضيحات حول الاستثناءات السياحية
وفي محاولة لتهدئة المخاوف الاقتصادية والسياحية، أوضحت المحافظة أن قرار تنظيم مهنة بيع المشروبات الكحولية واقتصارها على مناطق محددة، لا يشمل إطلاقاً المنشآت الحيوية كالمحاف والفنادق الحاصلة على رخص رسمية من وزارة السياحة. كما أبدت مرونة لفتح باب النقاش، معلنة استعدادها التام لاستقبال ودراسة المقترحات الخاصة بالمطاعم التي تمتلك “خصوصية سياحية” تراعي طبيعة عملها.
جذور الأزمة: ما الذي نص عليه القرار الملغى؟
كانت الأزمة قد بدأت يوم الاثنين الماضي عندما أعلنت السلطات المحلية في دمشق حزمة قرارات وصفتها بـ “التنظيمية” لمعالجة شكاوى المجتمع المحلي والحد من المظاهر المخلة بالآداب العامة. وشملت تلك القرارات:
منع التقديم: حظر تقديم المشروبات الروحية في المطاعم والملاهي الليلية في العاصمة.
تحديد جغرافي: حصر السماح ببيعها في محال تجارية مرخصة تقع فقط في مناطق باب توما، والقصاع، وباب شرقي.
شروط المسافة: فرض إبعاد المتاجر مسافة 75 متراً على الأقل عن دور العبادة والمقابر والمدارس، ومسافة 20 متراً عن الدوائر الرسمية والأمنية.
مهلة الامتثال: إعطاء المتاجر مدة ثلاثة أشهر لتعديل أوضاعها والانصياع للشروط الجديدة.
لكن حصر بيعها في مناطق مسيحية معينة وفرض قيود المسافات أحدث ضجة واسعة في مدينة تشتهر بتنوعها وتجاور دور العبادة فيها، وتنتشر في أزقتها المقاهي والمطاعم المكتظة بروادها.
سياق عام ومخاوف من “النزعة المحافظة”
يأتي هذا الجدل المتصاعد في وقت حساس تمر به البلاد. فعلى الرغم من أن السلطات السورية الجديدة التي تسلمت الحكم بعد الإطاحة بالنظام السابق في ديسمبر 2024 لم تفرض قيوداً رسمية صارمة على السلوك العام للمواطنين، إلا أن حوادث متفرقة سابقة باتت تشعل المخاوف من تنامي نزعة محافظة تضيق الخناق على الحريات الشخصية.
وكان من أبرز تلك المؤشرات حظر استخدام مستحضرات التجميل لموظفات القطاع العام الذي أقر في يناير الماضي، بالإضافة إلى فرض ارتداء ملابس سباحة محتشمة تغطي كامل الجسد على الشواطئ العامة خلال العام الماضي. ومع التراجع الأخير لمحافظة دمشق واعتذارها، يبقى الترقب سيد الموقف حول كيفية الموازنة بين الحفاظ على النظام العام وحماية النمط الحياتي المدني التاريخي للعاصمة السورية.















